وناقش البعض في نظرية التحصيص بما يلي :
« أنّه لو كان التضييق والتحصيص هو المعنى الأولي للحرف وليس المعنى الثانوي التابع لمعنى النسبة لكان ذلك مدلول جميع الحروف ، مع أننا نجد أنّ حروف العطف والاستثناء والإضراب والتفسير لا تدل على تحصيص في المفاهيم الإسمية أصلا ، فلو قلنا : ( الحرارة والبرودة لا تجتمعان ) فإنّ ( الواو ) لا تدل على أنّ الحصة الخاصة من الحرارة المقرونة بالبرودة هي التي لا تجتمع مع البرودة ، فذلك لا معنى له « 1 » » .
إلا أنّ الوجدان يدل على وجود تحصيص وتضييق في مجمل الحروف ، ولكن ذلك الوجدان - بذاته - يدلنا أيضاً على أنّ هذه الخاصية هي نتيجة النسبة ، وأما دلالة الحروف فهي التعبير عن النسبة ، وهذا قد لا يكون في بعض الحروف لسبب أو آخر ، وفي مباحث الألفاظ لا يضر ذلك بعد وضوح المعنى لأنَّ اللغة ظاهرة اجتماعية وليست بنياناً هندسيّاً رصيناً ، فقد يكون فيها بعض الاستثناءات غير الداخلة في القاعدة . والله العالم .
7 - نظرية التعدد في معاني الحروف
وذهب المحقِّق الوحيد الخراساني ( أدام الله ظله ) إلى نظرية تجمع بين بعض النظريات ، فقال :
« إنّ الحروف تنقسم إلى أقسام :
( فمنها ) الحروف التي تُستعمل في موارد الأعراض النسبية ، كقولنا : زيد في الدار وعمرو على السطح » .
ثم بَيَّن أنّ هذه الحروف مدلول الجملة الاسمية وهي تدل على معنى واقعي وهو ظرفيّة الدار لزيد وفوقيّة عمرو على السطح « 2 » .
واعتبر هذا القسم من الحروف إيجادية حيث أنّها « موجِدة للربط بين المفاهيم بما لها من الحكاية عن الواقع » ولا يعني ذلك أنَّ الحروف تخلق المعنى بل هي فقط تعكس المعنى الموجود خارجا ، إذ النسبة بين زيد والدار وعمرو والسطح وغيرها هي موجودة فعلا ، وليست النسبة أمراً إعتبارياً لا وجود لها « 3 » .
« و ( منها ) الحروف غير الحاكية عن نسبة » فلا هي تعكس النسبة ولا توجدها ، وهذه
هامش
( 1 ) - مباحث الدليل اللفظي 1 / 273 ، عنه : البحث النحوي عند الأصوليين ، ص 234 - 235 .
( 2 ) - أنظر : تحقيق الأصول ، ج 1 ، ص 135 .
( 3 ) - أنظر : المصدر ، ص 135 - 136 .