الحروف مجموعة حقائق متناثرة وإنما الحروف تجمعها . كيف تجمعها ؟
تُوجِدْ فيما بينها إرتباطاً . ألا ترى في الجملة التالية : ( سرتُ من البصرة إلى الكوفة ) تبقى مدينتا البصرة والكوفة وأيضا حركة السير حقائق متناثرة وبالحروف : مِنْ ، إلى ، وهيئة فعل ( سرتُ ) تتحقق العلاقة ، وعند التأمّل - حسب هذه النظرية - نجد أنّ السير والكوفة والبصرة حقائق مفهومة في الذهن ، بينما ( مِنْ ) و ( إلى ) لفظان بلا معنى ولا مفهوم إلّا من خلال علاقتهما بالأسماء .
وهكذا قال المحقِّق النائيني :
« إنّ المعاني الحرفية بأجمعها إيجادية ، وإلّا لكانت إخطاريّة فتكون هناك معانٍ متعدِّدة إخطاريّة كمفهوم زيد ، ودار « 1 » ، ومفهوم النسبة الظرفيّة لاحقيقتها ، فما الرابط لهذه المفاهيم غير المربوط بعضها ببعض « 2 » » .
ويبدو من دليل المحقق النائيني ( قده ) الذي ساقه لنظره أنَّ مراده من كلمة ( إيجاديّة ) التبعيّة ، أي ما يقابل الاستقلالية حيث أنّه قابلها ب - ( الإخطارية ) والسبب الذي دعاه إلى ذلك أنّه لو كان معنى الاسم والحرف واحداً لكان المتحدّث قد التفت إليهما كليهما وعندئذ يفقد الكلام الرابط ، ونضرب مثلا لذلك : إنَّ هيئة ( ضَرَبَ ) التي هي قالب لمادة ( الضرب ) لا نلتفت إليها ، إنّما دور الهيئة صياغة المادة بحيث يَفهم المستمع منها النسبة ، وهكذا لم ينفِ المحقق النائيني وجود معنى للحرف ، بداهة أنَّ كل متحدثٍ بالعربية أو حتى بأيّة لغة يعرف أنّ للحروف معان ، وإنما نفى الالتفات إليه عند الحديث لكي لا يفقد خاصية الربط التي في المعنى الحرفي . وقال في موضع آخر من حديثه :
« ومنه ظهر وجه التشبيه في كلمات القوم لكل أمر غير ملتفت إليه بالمعاني الحرفية « 3 » » .
وقال في موضع آخر :
« إنَّ الحروف وُضِعَت بإزاء نسب خاصة كلامية ، ولذا لا تقع محكوماً عليها ولا محكوماً بها بخلاف الأسماء فإنّها من جهة استقلالها بالمفهومية قابلة لكليهما « 4 » » .
ومن هنا نرى أنَّ المحقق النائيني أجَلّ من نفي معنى للحرف أساساً ، وإنّما هدفه بيان
هامش
( 1 ) - يعني في قولنا : ( زيد في الدار ) .
( 2 ) - أجود التقريرات ، ج 1 ، ص 20 .
( 3 ) - المصدر ، ص 22 .
( 4 ) - المصدر ، ص 23 .