يقول الإمام ( عليه السلام ) :
وَلا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ ولِلَّهِ فِيهِ رِضًا ، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً « 1 » لِجُنُودِكَ ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ ، وَأَمْناً لِبِلادِكَ ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ « 2 » فَخُذْ بِالْحَزْمِ ، وَاتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ . وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً ، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً « 3 » ، فَحُطْ عَهْدَكَ « 4 » بِالْوَفَاءِ ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالأمَانَةِ ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً « 5 » دُونَ مَا أَعْطَيْتَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتِمَاعاً ، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ ، وَتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ ، مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ . وَقَدْ لَزِمَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا
اسْتَوْبَلُوا مِنْ عَوَاقِبِ الْغَدْرِ « 6 » ؛ فَلا تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ ، وَلا تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ « 7 » ، وَلا تَخْتِلَنَّ « 8 » عَدُوَّكَ ، فَإِنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ أَمْناً أَفْضَاهُ « 9 » بَيْنَ الْعِبَادِ بِرَحْمَتِهِ ، وَحَرِيماً « 10 » يَسْكُنُونَ إِلَى
هامش
( 1 ) - الدَعَة - محرّكة - : الراحة .
( 2 ) - قارَبَ ليتغفّل : أي تقرّب منك بالصلح ليلقي عليك عنه غفلة فيغدرك فيها .
( 3 ) - أصل معنى الذمّة : وجدان مودع في طبيعة الانسان ، ينبهه لرعاية حق ذوي الحقوق عليه ، ويدفعه لاداء ما يجب عليه منها ، ثم أطلقت على معنى العهد ، وجعل العهد لباساً لمشابهته له في الوقاية من الضرر .
( 4 ) - حُطْ عهدك : أمر من حاطه يحوطه بمعنى حفظه وصانه .
( 5 ) - الجُنّة - بالضم - : الوقاية ، أي حافظ على ما أعطيت من العهد بروحك .
( 6 ) - لِمَا اسْتَوْبَلوا من عواقب الغدر : أي وجدوها وَبيلة ، مهلكة .
( 7 ) - خاس بعهده : خانه ونقضه .
( 8 ) - الخَتْل : الخداع .
( 9 ) - أفضاه - هنا - : بمعنى أفشاه .
( 10 ) - الحريم : ما حرم عليك أن تمسه .