وإهتمامهم بجمع المال أكثر من اهتمامهم بإصلاح البلد ، والذي يتسبب عادة من سوء الظن والخوف من عدم بقائهم ، فهم في ظنهم سوف لايستفيدون شيئاً من عمارة الأرض ، فلماذا يسعون في إصلاحها ؟
يقول الإمام علي ( عليه السلام ) :
وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلّا بِهِمْ ، لأنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ . وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ ، لأنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إِلّا بِالْعِمَارَةِ ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلّا قَلِيلًا . فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلًا أَوْ عِلَّةً « 1 » ، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ « 2 » أَوْ بَالَّةٍ « 3 » ، أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ « 4 » اغْتَمَرَهَا « 5 » غَرَقٌ ، أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ « 6 » ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ ؛ وَلا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَةَ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ ، وَتَزْيِينِ وِلايَتِكَ ، مَعَ اسْتِجْلابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ ، وَتَبَجُّحِكَ « 7 » بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ « 8 » فِيهِمْ ، مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ « 9 » ،
هامش
( 1 ) - إذا شكوا ثِقَلًا أوعلّة : أي شكوا من ثقل مال الخراج عليهم ، أو نزول علة سماوية بزرعهم أضرت بثمراته .
( 2 ) - إنقِطاع شِرْب - بالكسر - أي : ماء تسقى في بلاد تسقى بالأنهار .
( 3 ) - انقطاع بالّة : أي ما يبلّ الأرض من ندى ومطر فيما تسقى بالمطر .
( 4 ) - إحالة أرض - بسكر همزة إحالة - أي : تحويلها البذور إلى فساد بالتعفن .
( 5 ) - اغتمرها : أي عمها من الغرق فغلبت عليها الرطوبة حتى صار البذر فيها فاسداً .
( 6 ) - أجحف العطش : أي أتلفها وذهب بمادة الغذاء من الأرض فلم ينبت .
( 7 ) - التبجح : السرور بما يرى من حسن عمله في العدل .
( 8 ) - استفاضة العدل : انتشاره .
( 9 ) - معتمداً فضل قوتهم : أي متخذاً زيادة قوتهم عماداً لك تستند اليه عند الحاجة .