بلى ؛ إن تشييد المصانع ليس بالأمر السيئ ، بل هو أمر حسن ومقبول ، ولكن شريطة أن يكون الهدف منه هدفاً مقبولًا . أما إذا كان من أجل تحدِّي الحياة ، فهذا ما يُعدُّ تضييعاً للإمكانات والطاقات ، كما تفعل القوى الدولية الكبرى في العصر الراهن ، إذ تُجنِّد كل طاقاتها لصناعة الأسلحة ، فتبتلع الجهود ، وتُضيِّع حقوق البشر ، ويتضاعف عدد المستضعفين والفقراء في الأرض ، وذلك يعتبر تحدِّياً لإرادة الله عزَّ وجلّ ، فإن الربَّ سبحانه لم يخلق البشر ليلبثوا في الأرض إلى الأبد .
وعلى هذا ، فإن المصنع المذكور في الآية ، له أن يأخذ أنواعاً مُتعدِّدة وأشكالًا متفاوتة . والمهم في الأمر أن مصانع عاد كانت تُتَّخذ - غباءً وغروراً - لمصارعة عامل الزمن الذي أراد له الله تعالى أن يكون بقاؤه بقاءً مؤقَّتاً إلى حين .
وكلمة أخيرة : بالرغم من اختلاف المفسرين في معنى كلمة المصانع ، إلَّا أن الواضح أنّ عاداً كانت قد تطوَّرت في تغيير المواد لمصلحة وسائل عيشهم ( ولعل هذا هو المعنى اللغوي للكلمة ) .
وسواءً كانت تلك الوسيلة مواد البناء التي كانت تُصنع في تلك المصانع ( مثل نحت الأحجار ) أو كانت مواد لبناء حياض لتجميع المياه وحفظها ، أو أمتعة البيت ( مثل السكاكين والظروف ) . . فإن الهدف الأساس لاتخاذ المصنع هو السعي نحو الخلود ودرء خطر الموت .
والله العالم .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 329
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢٩