تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
ظنه الجمهور ان النفس عند تبدل وجودها الدنيوي إلى وجودها الأخروي تنسلخ عن بدنها وتصير كعريان يطرح ثوبه وذلك لظنهم ان البدن الطبيعي الذي تدبره وتتصرف فيه تدبيرا ذاتيا وتصرفا أوليا هذه الجثة الجمادية التي يطرح بعد الموت وليس ( 1 ) كذلك بل هذه الجثة الميتة خارجه عن موضوع التصرف والتدبير وانما هو كثفل ودردي يقع مدفوعا عن فعل الطبيعة كالأوساخ وما يجرى مجراها أو كالأشعار والأوبار والقرون والأظلاف مما تحصله الطبيعة خارجا عن ذاتها لأغراض خارجية كالدار يبنيها الانسان لا لأجل الوجود بل لدفع الحر والبرد وسائر ما لا يمكن التعيش بدونها في هذا العالم مع أنها لا تسرى فيها الحياة الانسانية فالبدن الحقيقي هو الذي يكون سريان نور الحس والحياة فيه بالذات لا بالعرض ونسبته ( 2 ) إلى النفس نسبه الضوء إلى الشمس ولو كانت هذه الجثة الساقطة مما سرت فيه قوه الحياة بالذات لا كالظرف والوعاء لما بقيت مطروحة منهدمة كالدار التي خربت لارتحال صاحبها منها وبالجملة حال النفس في مراتب تجردها كحال المدرك الخارجي إذا صارت محسوسا ثم متخيلا ثم معقولا فكما ان قولهم لكل ادراك ضرب من التجريد وان تفاوت مراتب الادراكات بحسب مراتب التجريدات معناه هو الذي ذكرناه من أن التجريد للمدرك ليس عبارة عن اسقاط بعض صفاته وابقاء البعض بل عبارة عن تبديل الوجود الأدنى الأنقص إلى الوجود الاعلى الأشرف فكذلك تجرد ( 3 ) الانسان وانتقاله من الدنيا إلى الأخرى ليس الا تبديل نشأته الأولى إلى
هامش
( 1 ) لان تدبيره الذاتي وتصرفه الأولى في الدنيا أيضا في البدن المثالي وتصرفه الثانوي في الروح البخاري وغلافه س ره ( 2 ) أي نسبه البدن الحقيقي وهو البدن الأخروي إليها نسبه الضوء إلى الشمس والظل إلى ذي الظل واللازم إلى الملزوم الا ان ذلك البدن الأخروي في العقول بالفعل غير ملتفت إليها كما أن ظل الانسان غير ملتفت إليه س ره ( 3 ) بل تجرد المدرك تجرد المدرك بناءا على اتحادهما وفي كلتا المرتبتين يبدل الأرض غير الأرض والوجود الظلماني المادي وجودا صوريا نورا أشرف وأكمل وأبقى ولما كان شيئية الشئ بصورته كان كمال ذلك الكمال هذا بل نفس ذلك كمال هذا فان كل الصور في الترقي إلى أن تستغنى عن المواد وتتصل بالصور الصرفة المثالية أي تنغمر وتنمحي فيها كما أن كل النفوس تستكمل إلى أن تتصل بالعقول حتى النفوس الحيوانية تتصل بأرباب أنواعها وتحشر بحشرها حشرا تبعيا س ره
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — صفحة 99 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )