التي تركنا نقلها مخافة الاطناب بعض مؤاخذات يمكن استنباطها من الأصول التي
قررناها فيما سبق
الطريقة الرابعة انهم ذكروا ان كل ذات مجرده يصح أن تكون معقولة
وهذا مما لا شبهه فيه إذ ما من شئ الا ومن شانه ان يصير معقولا اما بذاته واما بعد
عمل تجريد واما الشبهة بان ذات الباري جل مجده غير معقولة للبشر فهي مندفعة
بان المانع عن أن تصير ذاته معقولة لنا ليس من جهة ذاته لان ذاته في غاية الوضوح
والظهور ( 1 ) بل من جهتنا لتناهي قوه إدراكنا وقصورها عن الإحاطة والاكتناه
به فلا ندرك منه الا بقدر قوتنا وطاقتنا .
وبما ذكرناه يندفع اعتراض صاحب المباحث ان من زعم أن ماهية الباري
تعالى نفس إنيته أمكنه ان يبين ذلك بان يقول حقيقة الوجود متصورا وحقيقة
الباري تعالى هو الوجود المجرد عن سائر القيود وإذا كان الوجود متصورا وتلك
هامش
( 1 ) لأنه نور الأنوار وعدم معقوليته للبشر من وجه واحد وهو الاكتناه به لعقولهم
من حيث إنها عقولهم إذ الممكن لا يحيط بالواجب واما من حيث وجهه وهو الوجود
المنبسط على كل شئ فلا معروف الا هو بوجه إذ لكل شئ كما قال الحكماء المتألهون
جهتان جهة نورانية هي وجه الله وجهه ظلمانية هي وجه نفسه والوجود هو النور والنور
هو حيثية الظهور وهي الظلمة والظلمة هي حيثية الاختفاء وأيضا لا يعرف الذات بالذات
للبشر ولكن يعرف الذات بالصفات لهم إذ معرفه الصفات لها مجال رحب وأيضا الوجود
الحقيقي وهو حيثية طرد العدم عن كل مهية وحيثية الاباء عن العدم نور الوجوب وهو
نور السماوات والأرض والعلم بالوجود على انهاج الأول العلم به بالعلم بالماهيات
المتحققة من حيث إنها حكايات الوجود كما هو وظيفة الحكيم الباحث عن حقائق الموجودات
والثاني العلم به تعالى بالعلم بالعنوانات المساوقة له كمفهوم الوجود ومفهوم النور
والشعور والحياة السارية ومفهوم الوحدة والعشق الساري ونحوها والثالث العلم به
علما حضوريا كعلم الفاني بالمفنى فيه وهذه كلها هي وجوده العلم بالوجوب الذاتي
تعالى شانه سيما ان تعرف انه بنور مستعار منه س ره .