هذا خلاصة القول في مبنى القوم هيهنا ، ومن أراد التّفصيل فليرجع إلى مثل تهذيب الأخلاق لابن مسكويه وغيره من مسفورات القوم المفصّلة .
ويرد على هذا ايرادات كثيرة ، نذكر بعضها على ما يلي :
الف - انّ الإنسان مركّب من الرّوح وهو النّفس النّاطقة - « ونفس وما سوّيها فألهمها فجورها وتقويها » . « 1 » ومن الجسم وهو النّفس الامّارة - « انّ النّفس لامّارة بالسّوء إلّاما رحم ربّى » . « 2 » فهو من حيث الرّوح في غاية العلوّ ومن حيث الجسم في غاية التّداني والسّقوط ؛ قال اللَّه تعالى : « لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثمّ رددناه أسفل سافلين » . « 3 » فبمقتضى قاعدة التّسانخ القائلة بأنّ السّنخيّة علّة الانضمام ، انّ الفضائل كلّها تنشأ من الرّوح كما انّ الرّذائل كلّها تنشأ من الجسم .
وبهذا البيان يجمع بين نظائر قوليه تعالى : « فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين » . « 4 » و : « انّ الإنسان لفى خسر » . « 5 »
فالانسان الّذي هو خليفة اللَّه - « انّى جاعل في الأرض خليفة » . « 6 » - يشابهه تعالى من حيث الرّوح فكلّ الخيرات والفضائل تنشأ وتصدر منه من تلك الجهة ، ومن حيث الجسم يشابه الطّاغوت ، وكلّ الشّرور والرّذائل تنشأ منه من جهته .
لّان الخيرات كلّها للَّهو منه وإليه ، وكلّ الشّرور للطّاغوت ومنه وإليه ، قال تعالى :
« ما أصابك من حسنة فمن اللَّه وما أصابك من سيئة فمن نفسك » . « 7 »
نعم على مقتضى قاعدة انّ النّفس في وحدتها كلّ القوى الحكميّة ، فكل الخيرات والشّرور منها ، كما انّ التوحيد الافعالي يقتضي ذلك اللَّه تعالى ايضاً ، قال تعالى : « قل كلّ من عند اللَّه فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً » . « 8 » ولكن هذه اللطيفة الدّقيقة
و
هامش
( 1 ) - الشّمس / 7 و 8 .
( 2 ) - يوسف / 53 .
( 3 ) - التّين / 4 و 5 .
( 4 ) - الحجر / 29 .
( 5 ) - العصر / 2 .
( 6 ) - البقرة / 30 .
( 7 ) - النّساء / 79 .
( 8 ) - النّساء / 78 .