ثمّ قال : « وَمَنْ لَمْيَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ » « 1 » .
هذه الآيات الثلاث الّتي وردت في سورة المائدة المباركة تلزيقاً تنادي بأعلى صوتها أنّ الحكم ينحصر في « ما أنزل اللّه » وهو محدودٌ فيه ؛ وليس لأحدٍ أن يضع حكماً وتشريعاً ، كان من كان .
وقوله - تعالى - : « وَأَنْزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » « 2 » يصرّح بأنّ التقنين ليس في وسع النبيّ صلى الله عليه وآله أيضاً ، بل هو مفسّرٌ ومبيّنٌ لما أنزل إليه . فالوضع والجعل للّه - تعالى - ، وتبيين ما وضع إنّما للنبيّ صلى الله عليه وآله .
ومن الجدير بالذكر انّ القرآن الكريم يصف نفسه بقوله : « مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ » « 3 » ، وبقوله الآخر : « وَلَارَطْبٍ وَلَايَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ » « 4 » . ولو كان للقرآن الكريم هذا الشأن ، فيجب أن يكون مفسّره أيضاً صاحب هذا الشأن من غير تفاوتٍ حتّى لايقصّر في تفسيره - إذ هذا التقصير ينافي الهداية الّتي من أجلها نزل القرآن الكريم - .
فللنبيّ صلى الله عليه وآله ومن استخلفه عليهم السلام مرتبة التماميّة كما انّ للقرآن الكريم هذه المرتبة .
ويرشدك إلى ما قلنا قول السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله في وصيّته الإلهيّة السياسيّة حيث أشار إلى أنّ للّه - سبحانه وتعالى - تجلّيين تامّين ، وبالتجلّي الثّاني ظهر النبيّ وأهل بيته عليهم السلام « 5 » .
هامش
( 1 ) . كريمة 47 المائدة .
( 2 ) . كريمة 44 النحل .
( 3 ) . كريمة 38 الأنعام .
( 4 ) . كريمة 59 الأنعام .
( 5 ) . الظاهر انّه إشارةٌ إلى قوله رحمه الله : « ألّلهمّ صلّ على محمّدٍ وآله مظاهر جمالك وجلالك وخزائن أسرار كتابك الّذي تجلّى فيه الأحديّة بجميع أسمائك حتّى المستأثر منها الّذي لا يعمله غيرك » ؛ راجع : « وصيّة » السيّد الإمام الخمينيّ رحمه الله السياسيّة الإلهيّة ، التقدمة ص 4 .