القسم وفحواه ، إذ لو أنّ ركب الإنسانيّة يتّجه نحو الكمال وفي هذا الاتّجاه يحتاج إلى زعيمٍ ، فجميع عوالم الوجود أيضاً يتّجه نحو مقصودٍ وهو أيضاً يحتاج في هذا الاتّجاه إلى وليٍّ يولّي أمر هدايته وإيصاله إلى مقصوده .
وهذه الولاية هي من أقسام الولاية التكوينيّة ، لا التشريعيّة ؛ إذ بما أنّ عوالم الوجود لايكلّف بتكليفٍ شرعيٍّ فلايحتاج إلى وليٍّ يهديه في أمر تكليفه ، هذا من جانبٍ ؛ ومن جانبٍ آخر فعوالم الوجود نفسها تحتاج في كلّ آنٍ إلى واسطةٍ بينها وبين مبدأ الحياة ليكون واسطةً في أخذ الفيض من المبدأ - سبحانه وتعالى - وإيصاله إلى العوالم كلّها لتستفيد منه في مدرجه القهريّ الحتميّ التكوينيّ .
ثمّ ليعلم انّ النبذة الأولى من كريمة « وَجَعَلنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِمْ فِعلَ الْخَيرَاتِ » « 1 » تدلّ على هذا القسم من الولاية ؛
والنبذة الثّانية منها تدلّ على القسم التشريعيّ منها .
وإضافةً إلى مبنى الحركة الجوهريّة القويم ، هناك بعض الآيات والروايات تدلّ أيضاً يدلّ على هذه الحركة ؛ منها قوله - سبحانه - :
« فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوعاً أَو كَرهاً قَالَتَا أَتَينَا طَائِعِينَ » « 2 » .
وهذا القسم من أقسام الولاية قد سمّاه السيّد العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله بالإيصال إلى المطلوب ، فانّه - قدّس اللّه سرّه العزيز - في تفسير قوله - تعالى - : « وَإِذِ ابْتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ » « 3 » سمّى الأقوال الصادرة من الأئمّة عليهم السلام بإراءة الطريق ؛ وأطلق على إيصالهم الموجودات إلى كمالهم اللائق بهم : الإيصال إلى المطلوب « 4 » .
هامش
( 1 ) . كريمة 73 الأنبياء .
( 2 ) . كريمة 11 فصّلت .
( 3 ) . كريمة 124 البقرة .
( 4 ) . قال رحمه الله : « وبالجملة فالإمام هادٍ يهدي بأمرٍ ملكوتيٍّ يصاحبه . فالإمامة بحسب الباطن نحو ولايةٍ للناس في أعمالهم ، وهدايتها إيصالها إيّاهم إلى المطلوب بأمر اللّه دون مجرّد إرائة الطريق الّذي هو شأن النبيّ والرسول وكلّ مؤمنٍ يهديإلى اللّه - سبحانه - بالنصح والموعظة الحسنة » ؛ راجع : « الميزان » ج 1 ص 275 .