أما الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام فأجاب جواباً سيئاً فيه شبهٌ من جواب كسري ، فقد حجب رسول النبي ( صلى الله عليه وآله ) شجاع بن وهب مدة ثم أمر بإدخاله عليه وقد لبس تاجه ، فدفع اليه الكتاب فقرأه ثم رمى به وقال : من ينزع منى ملكي ! أنا سائر إليه ولو كان في باليمن جئته ، على بالناس ! فلم يزل جالساً يعرض عليه حتى الليل ، وأمر بالخيل أن تُنعل ثم قال لي : أخبر صاحبك بما تري ! وكتب الحارث إلى قيصر يخبره الخبر ، فكتب إليه أن لا تسر إليه ، واشتغل بايلياء أي هيئ الطريق لاستقبالي ، لأن هرقل نذر أن يمشى من حمص إلى بيت المقدس شكراً لله تعالى لنصره على فارس ، ففرشوا له بسطاً ونثروا الرياحين ، وهو يمشى عليها حتى بلغ بيت المقدس !
قال شجاع : فدعاني الحارث وقال : متى تريد أن تخرج إلى صاحبك ؟ قلت : غداً ، فأمر لي بمائة مثقال ذهباً ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة ، فقدمتُ على النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأخبرته بما كان من الحارث فقال : بادَ ملكه . السيرة الحلبية : 3 / 304 .
أما فروة بن عمرو الجذامي حاكم الأردن من قبل هرقل ، فأسلم بدون أن يرسل اليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) كتاباً وكتب اليه : « لمحمد رسول الله ، إني مقرٌّ بالإسلام مصدق به ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، أنت الذي بشر بك عيسى بن مريم . والسلام » . مكاتيب الرسول : 2 / 465 .
فأجابه النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « من محمد رسول الله إلى فروة بن عمرو ، أما بعد ، فقد قدم علينا رسولك وبلغ ما أرسلت به وخبَّر عما قِبلكم وأتانا بإسلامك ، وإن الله هداك بهداه . إن أصلحت وأطعت الله ورسوله وأقمت الصلاة وآتيت الزكاة » . فلما سمع قيصر بذلك أمر الحارث بن أبي شمر فسجنه ، فقال :
طرقتُ سليمى موهناً أصحابي * والروم بين الباب والقروان
فلئن هلكت لتفقُدنَّ أخاكم * ولئن بقيتُ لتعرفنَّ مكاني
ولقد جمعت أجلَّ ما جمع الفتى * من جودة وشجاعة وبيان
ثم أحضره وقال له : إرجع من دين محمد ونحن نعيدك إلى ملكك . قال : لا أفارق