والجواب ان الأصوليين قد حاولوا لإثبات ذلك بالتمسك باصالة عدم النقل ونقصد بها الاستصحاب القهقرائي الذي يكون المشكوك فيه متقدماً زمنياً على المتيقن على عكس الاستصحاب المتعارف ، بتقريب ان ظهور الكتاب والسنة ثابتة فعلًا ونشك في أنها ثابتة لهما منذ تاريخ صدورهما ، فلا مانع من الحكم في أنها كانت ثابتة لهما منذ ذلك التاريخ ، وبذلك يثبت ان هذه الظهورات للآيات القرآنية والروايات ثابتة لهما منذ تاريخ صدورهما .
وللمناقشة فيه مجال ، وذلك لان عمدة الدليل على حجية الاستصحاب الروايات ، والمستفاد من هذه الروايات ان للاستصحاب اركاناً ثلاثة :
الركن الأول : اليقين بالحدوث .
الركن الثاني : الشك في البقاء وهو لا يتحقق إلا باتحاد القضية المشكوكة مع القضية المتيقنة موضوعاً ومحمولا ، وإلا فلا يكون الشك شكاً في بقاء ما هو المتيقن ، فإذا لم يكن الشك في البقاء ، فلا يكون مشمولًا لقوله عليه السلام لا تنقض اليقين بالشك .
الركن الثالث : ترتب أثر عملي على بقاء الحالة السابقة في ظرف الشك .
فإذا توفرت هذه الأركان الثلاثة جرى الاستصحاب وإلا فلا يجري ، وأما في المقام فالركن الأول والثالث وان كانا متوفرين ، إلا أن الركن الثاني غير متوفر فيه ، لأن الشك فيه ليس في بقاء الحالة السابقة ، لوضوح أن الشك في المقام إنما هو في أن ما هو متيقن الآن نشك في أنه كان كذلك منذ زمن التشريع ، مثلًا ألفاظ القرآن ظاهرة فعلًا في معان ونشك في أنها كانت كذلك من حين صدورها ، وحيث إن هذا الشك ليس شكاً في بقاء المتيقن السابق بل هو شك في حدوث المتيقن الفعلي من السابق ، بمعنى أنا لا ندري انه حدث من الآن أو من السابق ، فلا يكون
المباحث الأصولية — صفحة 147
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٤٧