ولكن قد حقّقنا في مبحث حجّية خبر الواحد أنها غير مجعولة شرعاً ، وذلكلأن عمدة الدليل على حجّية أخبار الثقة سيرة العقلاء الجارية على العمل بها ، وحيث إن جريانها لا يمكن أن يكون جزافاً وبلا نكتة مبرّرة له ، فلا محالة تكون النكتة المبرّرة لعملهم بها هي أقربيّتها إلى الواقع نوعاً من أخبار غير الثقةوأقوائيّتها كشفاً من غيرها ، وهذه الأقربيّة والاقوائيّة ذاتية لها وغير قابلةللجعل ، وهي منشأ عمل العقلاء بها وجريان سيرتهم عليها والشارع قد أقرّعمل العقلاء بها وأمضاه عملًا وقولًا ، فليس هنا جعل ولا مجعول لا من العقلاءولا من الشارع ، ويكفي في إقرار الشارع وامضائه السيرة سكوته وعدم ردعأتباعه من العمل بها .
وأما الآيات التي استدل بها على حجّية أخبار الثقة وكذلك الروايات علىتقدير تماميّة دلالتها لم تكن مفادها التأسيس والجعل ، بل مفادها التأكيد علىماهو ثابت عند العقلاء والامضاء له ، ويؤكد ذلك قوله عليه السلام : « أفيونس بنعبدالرحمن ثقة ، آخذ منه معالم ديني » « 1 » ، فإنه يدل بوضوح على أن حجّية قول الثقة أمر مفروغ عنه ولهذا يكون السؤال عن الصغرى ، فإذن لاجعل ولامجعولفي موارد الامارات لكي يقال إن المجعول هو العلم التعبّدي ، وعليه فلا يكون الخاص بمقتضى دليل حجّيته حاكماً على دليل حجّية العام .
وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن معنى الحجّية هو جعل الطريقيّة والكاشفية والعلم التعبّدي ، إلا أنه على هذا لا فرق بين حجّية الخاص وحجّية العام كما أن معنى حجّية الخاص جعله علماً تعبدياً كذلك معنى حجّية العام ، فإذن كل من العام والخاص علم تعبّداً بحكم الشارع ، فإذا كان كل منهما علماً
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة ج 18 ص 107 ب 11 من أبواب صفات القاضي ح 33 .