التعارض الحقيقي إنما يكون بين الدليلين في الدلالة النهاية المستقرة ، والمفروضأن الدلالتين المذكورتين ليستا كذلك لأنهما مندمجتان في الدلالة الثالثة ، وهيدلالة المجموع النهاية المستقرة التي هي حجّة ، فإذن ليس في هذا القسم من التخصيص دلالتان مستقرتان متنافيتان لكي يبحث عن وجه تقديم دلالة الخاص على دلالة العام ، وإنما فيه دلالة واحدة مستقرة ، وهي دلالة العامالمستثنى منه الخاص ، وهي تكون حجّة ، وإن كان التخصيص بجملة مستقلةمتصلة بجملة العام كما إذا قال المولى : « أكرم كل عالم » ، « لاتكرم العالم الفاسق » ، فالجملة الثانية تدل على خلاف الجملة الأولى ، فيكون بينهما تعارضلأن الجملة الأولى ظاهرة في العموم والثانية في الخصوص ، ولا يمكن الأخذ بكلا الظهورين معاً ، وهل هنا ظهور ثالث يكون هذان الظهوران مندمجين فيه أو لا ؟
والجواب : إنه غير بعيد ، وهذا الظهور الثالث هو الظهور السياقي الناشئ من تعاقب الجملتين المذكورتين تكون نسبة موضوع إحداهما إلى موضوع الأخرى نسبة الخاص إلى العام ، والتعاقب بهذا الشكل يصلح أن يكون منشأ للظهور الثالث وهو الظهور النهائي للجملتين المذكورتين ، وأما الظهوران الأولان لكلمن الجملتين بحدّهما فهما مندكان في الظهور الثالث من مرحلة التصور إلىمرحلة التصديق ، والسبب فيه أن الخاص حيث إنه بنظر العرف قرينة لبيان المراد النهائي من العام ومفسر له ، فلذلك كان المتبادر من الجملتين المذكورتين اللتين إحداهما عام والأخرى خاص معنىً ثالثاً ، وهو العام المخصص بالخاص ، وهذا المعنى متبادر منهما وإن كانتا صادرتين من لافظ بغير شعور واختيار ، وأماظهور كل من الجملتين بحدّها فهو مندمج في الظهور الثالث ، وحيث إنه هو الظهور النهائي للكلام والمستقر دون الظهورين الأولين ، فلهذا لا تعارض بينهما ، لأن التعارض إنما يكون بين الظهورين المستقرين لا الظهورين المندمجين في ظهور
المباحث الأصولية — صفحة 297
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٩٧