أمّا تسخير الرّيح لسليمان عليه السّلام الّتي غدوّها شهر ، ورواحها شهر ، فالظّاهر منه أنّ سرعتها في الوقت الّتي يكون فيه غدوّها ، تجتاز بها مقدار ما تجتازه قافلة المسافرين في شهر كامل . وأنّ سرعتها في الوقت الّذي يكون فيه رواحها ، تجتاز بها مقدار ما تجتازه قافلة المسافرين في شهر كامل .
ونقل المفسّرون عن الحسن البصري : أنّه كان يغدو على بساطه مسافة شهر كامل للمسرع ، ويروح عائدا إلى قصره مسافة شهر .
ولم أجد أنّ أهل الكتاب قد تعرّضوا لذكر هذه العطيّة من عطاءات اللّه لسليمان ، على ما روي عن الحسن البصري ، وشاعت على ألسنة العامّة .
وتأوّل بعض المفسّرين تسخير الرّيح لسليمان ، بأنّه كان يأمرها لتسيير سفنه في أسفارها ذاهبة مسيرة شهر في البحر ، وعائدة مسيرة شهر ، وأرى أنّ هذا خروج عن ظاهر دلالة النّصّ .
وترك النّصّ القرآنيّ على عمومه ، دون تحديد صور خاصّة من صور هذا التّسخير ، هو من التّدبّر الأمثل لكتاب اللّه ، فالرّياح في سنّة اللّه التّكوينيّة لها وظائف كثيرة جدّا ، وقد فضّل اللّه عزّ وجلّ سليمان عليه السّلام ، بأن جعلها مسخّرة له في حدود مملكته الّتي كانت على ما يذكر أهل الكتاب من الفرات إلى النّيل ، فإذا شاءها رخاء أمرها فجعلها اللّه له رخاء ، وإذا شاءها عاصفة قويّة أمرها فجعلها اللّه له عاصفة ، واللّه أعلم بالصّور التّفصيليّة .
والمنّة الثانية : دلّ عليها في النّصّ قول اللّه تعالى :
. . وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ . .
( 12 ) :
القطر : هو في اللّغة النّحاس الذّائب ، والحديد الذّائب .