بحرف « الفاء » الدّالّة على الترتيب مع التعقيب ، للدّلالة على أنّ الرّياح بما تحمل من جسيمات صلبة صغيرة جدّا ، تكون بمثابة التّلقيح لبخار الماء في السّحاب بوساطة الجسيمات ، إذ تتكوّن حولها حبّات المطر أو الثّلج أو البرد ، وعقب ذلك ينزل الماء من السماء ، وكلّ ذلك بتدبير اللّه الحكيم وفعله جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وأحاط بكلّ شيء علما .
*
فَأَسْقَيْناكُمُوهُ :
يخاطب اللّه النّاس بضمير المتكلّم العظيم ، ويبيّن لهم أنّه هو الّذي أسقاهم الماء الحلو العذب السائغ للشّاربين بتدبيراته الحكيمات ، إذ جعل البخار يتصاعد في الجوّ بفعل الحرارة الّتي تمدّ بها أشعّة الشّمس ، ويتكوّن سحبا ، وأرسل الرّياح حاملات لجسيمات اللّقاح ، فاجتمعت حولها حبّات المطر أو الثلج أو البرد ، فثقلت بالتّكاثف ، فقويت جاذبيّة الأرض على اجتذابها إليها ، فنزلت ماء عذبا سائغا للشّاربين والشّاربات ، من الإنسان والحيوان والنّبات ، وجرت به السّيول والأنهار ، واختزن الكثير منه في باطن الأرض وتجويفاتها .
*
وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ :
أي : وخزنّاه في مخازن في باطن الأرض وتجاويفها ، وجعلنا بينه وبين الماء المالح حاجزا حتّى لا يختلط به ، وجعلناه ينبع من العيون ويجري سواقي وأنهارا ، وما أنتم أيّها الناس بخازنين له في مخازنه من الأرض ، بل نحن سلكناه في مسالكه إلى مخازنه ، وحفظناه فيها ، ونخرج منه لمنافعكم على وفق حكمتنا في ابتلائكم في ظروف الحياة الدّنيا ، بسطا أو قبضا .
* قول اللّه تعالى يتحدّث بضمير المتكلّم العظيم :
*
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ
( 23 ) :
أي : وإنّا لنحن لا أحد غيرنا في الوجود كلّه نحيي من نشاء وما نشاء أن نجعله ذا حياة ، ونميت من نشاء وما نشاء أن نميته من الأحياء .