أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 21 ) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 22 ) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
( 23 ) :
فدلّ هذا النّصّ على أنّ رحم الأمّ قرار مكين ، أي : مكان استقرار وثبوت ملائم لنموّ الجنين وثباته حتّى ولادته .
وأتبع اللّه عزّ وجلّ التّنبيه على هذه الآية السّابعة من آيات اللّه الكونيّة بقوله تعالى :
. . . قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
( 98 ) :
سبق تدبّر شبيه هذه العبارة في الآية السّابقة ، لكن جاء في هذه الآية عبارة
لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
وفي الآية السّابقة .
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ .
والسّبب في هذا التنويع في التعبير أنّ إدراك ما جاء في الآية السّابعة يتطلّب فقها ، وهو أخصّ من مطلق العلم .
الفقه : يستعمل للدّلالة على العلم ببواطن الأمور وخفاياها ودقائقها .
*
يَفْقَهُونَ :
أي : يتابعون البحث في بواطن الأمور وخفاياها ودقائقها ، بغية الوصول إلى كمال الحقيقة أو أكثر مقدار مستطاع منها .
فالمعنى : واللّه هو وحده الّذي خلقكم أيّها النّاس وفق خطّة الإنشاء المتدرّج ، إشتقاقا من نفس واحدة هي نفس آدم ، فتنقّلتم في أطوار كلّ طور لكم فيه مستقرّ ومستودع حتّى خرجتم من بطون أمّهاتكم ، لتعيشوا في حياة الابتلاء ، فكانت الأرض لكم مستقرّا ومستودعا حتّى انتهاء آجالكم فيها ، فكان لأجسادكم في باطن الأرض مستقرّ ومستودع حتّى ساعة القيامة ، فكان لكم في أرض المحشر مستقرّ ومستودع ، فمن قضى اللّه له بالخلود في الجنّة ، فالجنّة له هي دار القرار ، ومن قضى اللّه عليه بالخلود في دار العذاب فهي مستقرّه الأبديّ ، ومن قضى اللّه بأن يدخلها مؤقّتا لينال نصيبه من العذاب ، فهي له مستقرّ ومستودع ثمّ يخرجه اللّه منها لتكون له الجنّة دار القرار الأبدي .