تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
جبال مكّة ، أو أن يجعل بعض جبالها أو بعض مواضع منها ذهبا ، كما أخرج لصالح عليه السّلام الناقة من صخرة عيّنها قومه ، وكانت قصّة هذه النّاقة وقصّة صالح وقومه ثمود متداولة بينهم . فأبان اللّه عزّ وجلّ أنّه قادر على إرسال ما يطلبون وما يقترحون من آيات خارقات ، من الآيات المادّيّة ، إلّا أنّ من سنّته أنّه إذا استجاب لمطالب القوم ، فأجرى لرسوله الآية أو الآيات الّتي اقترحوها ، فلم يؤمنوا أن يهلكهم بعذاب ، ويستأصل شأفتهم ، إذ لا يكون من الحكمة إمهالهم وتأخيرهم إلى آجالهم . وقد أثبتت التّجارب البشريّة ، أنّ الخوارق الّتي يقترحها الكافرون المعاندون الجاحدون ، لا تغيّر من واقعهم شيئا ، فهم في قلوبهم مستيقنون ، إلّا أنّهم جاحدون ، وما يقترحون من آيات خوارق إنّما هي مطالب تعنّتيّة ، وليس من الحكمة أن يخرق اللّه سننه في كونه للجاحدين المتعنّتين ، الّذين يطرحون المطالب على سبيل التّشهّي والتّلاعب بالسّنن الرّبّانيّة . ومن الأمثلة الواقعيّة في تاريخ الأمم أنّ كفّار ثمود لم يؤمنوا ، على الرّغم من أنّ اللّه عزّ وجلّ قد آتاهم معجزة الناقة على وفق ما طلبوا تماما ، فكان من الحكمة والعدل تعذيبهم ، وإهلاكهم أهلاك استئصال . فاللّه عزّ وجلّ لم يشأ أن يعرّض أهل مكّة البلد الحرام ، لعذاب شامل ، يهلكهم به إهلاك استئصال عامّ ، وهم الصّفّ الأوّل من قوم خاتم رسله وأنبيائه ، وفي كثير منهم قابليّة أن يؤمنوا ويسلموا بعد أنواع علاج في بضع سنين ، يهلك اللّه فيها الكبراء المعاندين بجحود ، الّذين يمنعون أتباعهم من الإيمان والإسلام ، هذا ما تحقّق فعلا بعد بضع سنين ، ثمّ بعد فتح مكّة .