تمهيد :
سبق في سورة ( الشعراء ) النازلة قبل سورة ( النمل ) عناية خاصّة بالحديث عن القرآن لبيان التباين بينه وبين أقوال الكهّان الذين يتلقّون عن شياطين الجنّ ، وشعر الشعراء الّذين يهيمون في كلّ واد ، وأقوال الإنس أو الجنّ ، التي لا ترقى إلى مستوى القرآن في مبانيه وفي معانيه ، إذ هو معجز لهم فيهما . وهذا التباين يؤكّد بصورة قطعيّة أنّه تنزيل من ربّ العالمين ، وأنّه من غير الممكن أن يكون مفترى على اللّه عزّ وجلّ .
وبهذا التباين تسقط مزاعم الذين كفروا ، إذ أشاعوا بين جماهيرهم أنّه إيحاء من شياطين الجنّ ، أو هو نوع من الشعر تدفقت به شاعريّة محمد ، أو هو كلام اختلقه من عند نفسه وتقوّله على ربّ العالمين .
وقد جاء في هذا الدرس الأوّل من دروس سورة ( النّمل ) متابعة الحديث عن القرآن لبيان أنّه هدى وبشرى للمؤمنين ، ثم جاء في الآية ( 77 ) من السورة بيان أنّه هدى ورحمة للمؤمنين .
ويدرك المتدبّر أن كون القرآن هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين ، يضيف أدلّة عقليّة على إبعاد كلّ صفات الكهانة ، والشعر ، والوضع البشريّ له .
وهذه متابعة علاجيّة واضحة للّذين كفروا ، دون أن يملكوا ولو دليلا ضعيفا على ما زعموا .
مع تثبيت المؤمنين الّذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ، ضمن الحدود الّتي كانت مطلوبة إبّان نزول سورة ( النمل ) ويجدّدون يقينهم بالآخرة كلّما غفلوا ، ولم تكن قد نزلت حينئذ فريضتا الصّوم والحج ، ولا كثير من أحكام الحلال والحرام والواجبات .
ويتضمّن هذا التثبيت الحثّ على متابعة تدبّر ما ينزل من القرآن ، والإيمان بحقائقه ، والعمل بما يهديهم إليه .