الدولة العبّاسية أنَّهم قد صفّوا ابن الإمام الحسن العسكري وكبسوه في البيت وأعدموه واغتالوه ، وهل يمكن أن يفلت إنسان من هذه المراقبة الشديدة التي تقيمها دولة عظمى تمثّل أكبر دولة عظمى آنذاك والتي تساوي مساحتها مساحة أربعين أو خمسين دولة الآن ، والحال أنَّ الإمام الحسن العسكري كان مسجوناً عسكرياً تحت قبضة بني العبّاس ، وكذلك أبوه الإمام الهادي ، تحسّباً من تولّد ابنهم الموعود بأن يكون مهدي هذه الأمّة وعلى يده ينتشر القسط والعدل ، فترى ابن خلدون يقول عبارته التي قرأناها فيصف أتباع مدرسة أهل البيت وإن كان الوصف في الحقيقة لائق به لا بهم بقوله : ( وهؤلاء من الجهل بحيث ينتظرون من يقطع بموته ) « 1 » ، هكذا يبرز لديه القطع المستند إلى مثل هذه العناصر الحسّية ، هذا هو الذي يخطّئه ، فبيّنات إمامة أهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم كثيرة ، وزعزعة التمسّك بهذه البيّنات والتنكّر لهذه البيّنات الوحيانية في الأحاديث النبوية المتواترة مقابل دعوة حسّية رصدها المؤرّخون أو رصدتها الدولة العبّاسية
هامش
( 1 ) يقول ابن خلدون في تاريخه ( ج 4 / ص 29 و 30 ) : ( ويزعمون ( أي الشيعة ) أنَّ الإمام بعده ( أي : الإمام علي الهادي ) ابنه الحسن ويلقَّب : العسكري ؛ لأنَّه ولد بسُرَّ من رأى ، وكانت تسمّى العسكر ، وحبس بها بعد أبيه ، إلى أن هلك سنة ستّين ومائتين ودفن إلى جنب أبيه في المشهد ، وترك حملًا ولد منه ابنه محمّد ، فاعتقل ويقال : دخل مع امّه في السرداب بدار أبيه وفقد ، فزعمت شيعتهم أنَّه الإمام بعد أبيه ولقَّبوه : المهدي والحجّة ، وزعموا أنَّه حيّ لم يمت ، وهم الآن ينتظرونه ووقفوا عند هذا الانتظار ، وهو الثاني عشر من ولد علي ، ولذلك سمّيت شيعته الاثني عشرية ، وهذا المذهب في المدينة والكرخ والشام والعراق ، وهم حتَّى الآن على ما بلغنا يصلّون المغرب ، فإذا قضوا الصلاة قدَّموا مركباً إلى دار السرداب بجهازه وحليته ونادوا بأصوات متوسّطة : أيّها الإمام اخرج إلينا فإنَّ الناس منتظرون والخلق حائرون والظلم عامّ والحقّ مفقود فأخرج إلينا ، فتقرّب الرحمة من الله في آثارك ، ويكرّرون ذلك إلى أن تبدوا النجوم ، ثمّ ينصرفون إلى الليلة القابلة ، هكذا دأبهم ، وهؤلاء من الجهل بحيث ينتظرون من يقطع بموته مع طول الأمد ، لكن التعصّب حملهم على ذلك ، وربَّما يحتجّون لذلك بقصَّة الخضر ، والأخرى أيضاً باطلة ، والصحيح أنَّ الخضر قد مات ! ! ) .