مع كلّ ذلك لا تكون غيبته عن الشعور الحسّي البشري مدعاة للإنكار والجحود ، فأبرز صفة في المتّقين عقيدتهم بالأدلّة التي تقوم على الحقائق العقائدية ، وإن كانت غائبة عن قوّة وقدرة شعورهم الحسّي ، وليس المراد خصوص الإمام المهدي وغيبته ، ولكن من ضمن ثوابت الغيب التي يؤمن بها المتّقون ، هو الاعتقاد بإمامة الإمام المهدي وغيبته ، هذا التعبير مشاكلته كما مرَّ بنا في القرآن الكريم في ظاهرة أصحاب الكهف والرقيم ، فقد كانت لهم غيبة قرون متطاولة ، ثمّ بعثهم الله وأظهرهم إلى البشرية بعد مرور أجيال وأجيال وقرون .
فنرى استعمال القرآن الكريم عن أمر موجود في نشأة دار الدنيا وعلى وجه الأرض ، إلَّا أنَّه لكونه غائباً عن شعور البشر وقدرة إحساسهم فقد سمّاه القرآن الغيب ، لكن قامت عليه الحقيقة البرهانية القرآنية والأديانية ، ومن ثَمَّ عبَّر عنه بالغيب كما في هذه الآية الكريمة :
( سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ )
( الكهف : 22 ) ، التعبير إذن ورد :
( رَجْماً بِالْغَيْبِ )
، قد عبَّر عن هذه الظاهرة بأنَّها غيب ، كذلك في الآيات اللاحقة عندما يقول الباري تعالى :
( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
( الكهف : 25 و 26 ) .
* * *