وضيق وجوع وكظّة وصلح وقتال بين الناس أمر حتمي قضي به عليهم ، وليس للبشر فيه أيّ صنع وتصرّف .
وقد اتّخذت الطغمة الأُمويّة هذه الفكرة غطاءً لأفعالهم الشنيعة حتّى يسدّوا بذلك باب الاعتراض على أفعالهم ، بحجّة انّ الاعتراض عليهم اعتراض على صنعه سبحانه وقضائه وقدره ، وانّ اللَّه سبحانه فرض على الإنسان حكم ابن آكلة الأكباد وابنه السكّير ، وأبناء البيت الأُموي الخبيث يعيشون عيشة رغد ورخاء وترف ، ويعيش الآخرون حياة البؤس والشقاء .
وعلى ذلك فمن سجلت أسماؤهم في القدرية لم يكن لهم ذنب سوى انّهم كانوا دعاة الحرية ونفاة الجبر ، نظراء :
1 - معبد بن عبد اللَّه الجهني البصري ( المتوفّى عام 80 ه ) .
2 - غيلان بن مسلم الدمشقي ، المصلوب بدمشق عام 105 ه .
3 - عطاء بن يسار ( المتوفّى 103 ه ) .
إنّ نضال هؤلاء الثلاثة في العهد الأُموي كان ضد ولاة الجور الذين كانوا يسفكون الدماء وينسبونه إلى قضاء اللَّه وقدره ، فهؤلاء الأحرار قاموا في وجههم وأنكروا القدر بالمعنى الّذي استغلته السلطة وبررت به أعمالها الشنيعة ، وإلّا فمن البعيد جداً من مسلم واع أن ينكر القضاء والقدر الواردين في الكتاب والسنّة على وجه لا يسلب الحرية من الإنسان ولا يجعله مكتوف الأيدي .
إنّ هذا التاريخ يدلّنا على أنّ رجال العيث والفساد إذا أرادوا إخفاء دعوة الصالحين اتّهموهم بالكفر والزندقة ومخالفة الكتاب والسنّة .
المذاهب الإسلامية — صفحة 79
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٧٩