ولا يظهر لنا سبب لذلك إلا اشتمال المسند المذكور على كثير من مناقب أمير المؤمنين وأهل البيت ( صلوات الله عليهم ) وفضائلهم مما لم يذكره غيره ، فلو جعلوه في جملة الصحاح المعدودة عندهم ، أو قدموه عليها - لتقدم أحمد عندهم - لفتحوا على أنفسهم باباً يصعب عليهم التخلص من تبعات فتحه .
وعلى كل حال فمهما كان منشأ تقديمهم للأصول الستة المذكورة ، وتسالمهم المدعى على قبول أحاديثها ، فإن سلبياتها لا تبرر التعويل عليها من دون تمحيص وعرض على ضوابط الحجية المعروفة عند العقلاء التي عليها المعول شرعاً .
ولا ينفعهم مع ذلك ما أحاطوها به من هالات التعظيم والتقديس ، وما استعانوا به لتركيزها من الكلمات الرنانة ، والنعوت الضخمة ، والتهويلات الرادعة ، مثل ما تقدم عن كتابي البخاري ومسلم من أنهما أصح الكتب بعد القرآن المجيد ، وقول الدهلوي المتقدم : كل من يهون أمرهما فهو مبتدع ، متبع غير سبيل المؤمنين ، ونحو ذلك مما تقتضيه طبيعة الجمود والتقليد التي تتحكم في مواقف كثير من الناس ، فتفرض عليهم مسلمات لا حقيقة لها ، بل هي كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ « 1 » .
وبعد هذا الاستعراض الطويل يتضح مدى اضطراب الجمهور ، وخروجهم عن الطرق العقلائية التي عليها المعول في قبول الأخبار ، وأنهم يفقدون المبررات العقلية ، والحجج الشرعية المعذّرة مع الله تعالى يوم العرض الأكبر يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة النور الآية : . 39
( 2 ) سورة الدخان الآية : . 41