حتى قذفت زوجته ، ونفرت به ناقته ، مع عظيم إحسانه إليه ، وجسيم مننه عنده ، وأجمعت مذ كان حياً على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته .
ولولا أن قريشاً جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة ، وسلما إلى العز والإمرة ، لما عبدت الله بعد موته يوماً واحد ، ولارتدت في حافرته ، وعاد قارحها جذع ، وبازلها بكر . ثم فتح الله عليها الفتوح ، فأثرت بعد الفاقة ، وتمولت بعد الجهد والمخمصة ، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمج ، وثبت في قلوب كثير منها من الدين ما كان مضطرب ، وقالت : لولا أنه حق لما كان كذ .
ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاته ، وحسن تدبير الأمراء القائمين به . فتأكد عند الناس نباهة قوم ، وخمول آخرين . فكنا نحن ممن خمل ذكره ، وخبت ناره ، وانقطع صوته وصيته ، حتى أكل الدهر علينا وشرب ، ومضت السنون والأحقاب بما فيه . ومات كثير ممن يعرف ، ونشأ كثير ممن لا يعرف .
وما عسى أن يكون الولد لو كان ! . إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يقربني بما تعلمونه من القرب للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة ، أفتراه لو كان له ولد هل كان يفعل ما فعلت ؟ ! وكذلك لم يكن يقرب ما قربت . ثم لم يكن عند قريش والعرب سبباً للحظوة والمنزلة ، بل للحرمان والجفوة .
اللهم إنك تعلم أني لم أرد الإمرة ، ولا علو الملك والرياسة ، وإنما أردت القيام بحدودك ، والأداء لشرعك ، ووضع الأمور في مواضعه ، وتوفير الحقوق على أهله ، والمضي على منهاج نبيك ، وإرشاد الضال إلى أنوار هدايتك « 1 » .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة 20 : 298 - 299 .