وأمّا عن دليل وجوب التوقّف عند الشبهة : فلأنّه لا فرق فيه بين أن تكون الشبهة فعل حرام أو ترك واجب ، فمجرّد كون الغالب في فعل الحرام لا يوجب الحكم بتبعيّة هذا على فرض تماميّة أصل دليل وجوب التوقّف ، لما قد عرفت في مبحث البراءة بما لا مزيد عليه من الإشكال فيه ، وعدم ثبوت ذلك في قبال أدلّة البراءة ، وأنّه مختصّ بالشبهة التحريميّة ، دون دوران الأمر بين المحذورين .
وأمّا دليل الأولويّة : فإنّه لا برهان عليه ، بل لم يثبت اهتمام الشارع والفضلاء بأنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة ، إلّا إذا أحرز أهميّة الحرام أو ورد احتمال الأهميّة في جانبه .
وأمّا الجواب عن المرسلة : فإنّه - مضافا إلى قصور سنده بالإرسال - فهو أنّ دلالتها قاصرة في التصريح بالأفضليّة والأولويّة دون الوجوب ، مضافا إلى إمكان أن يكون المقصود هو الترغيب إلى أنّ ترك المحرمّات والورع عنها يعدّ أولى من الإتيان بالنوافل والمستحبّات ، كقيام اللّيل وصيام النهار ونحوهما ، وهو توجيه مقبول .
هذا ، مضافا إلى ما قاله المحقّق الخراساني رحمه اللّه في « كفاية الأصول » بأنّ : ( ربّ واجب يكون مقدّما على الحرام في صورة المزاحمة بلا كلام ، فكيف يقدّم على احتماله احتماله في صورة الدوران بين مثليهما ، فافهم ) « 1 » .
ولعلّ وجه أمره رحمه اللّه بالتفهّم ، هو أنّ الخصم ربما لا يقل بتقدّم جانب الحرام حتّى فيما يحتمل الأهميّة في ناحية الوجوب ، ولكن ذلك لا يوجب رفع اليد عن كلامه في صورة التساوي وعدم احتمال الأهمّية ، وعليه فالأولى في الجواب هو ما ذكرناه .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ج 2 / 208 .