وقوله عليه السلام في صحيح محمد بن مسلم : « فمن عرض عليه الحج فاستحيى ؟ قال : هو ممن يستطيع » « 1 » أظهر شمولًا لصورة الإباحة والعرض المجرد عن التمليك ، فإن الظاهر منه دعوة الباذل المبذول له منه أن يكون ضيفاً له والتزامه بأداء مصارف الحج .
وإما أن يقول باحتياجه إلى القبول ، فعليه يجب أن يقول بحصول الاستطاعة بالهبة المطلقة أيضاً ، فلو لم يقبل وترك الحج يستقر عليه ويجب فعله متسكعاً .
وبالجملة : فالذي يظهر من بعض عبائر الأصحاب والروايات أن البذل يتحقق بالإباحة ، وحيث هو من الإيقاعات لا يحتاج إلى القبول ، ويصير المبذول له بها مستطيعاً دون التمليك فإنه محتاج إلى القبول وهو تحصيل الاستطاعة لا عينها .
ومع ذلك فما يظهر من العروة ومحشِّيها هو حصول البذل بالتمليك فلا بد لهم - مع اختيارهم عدم حصول الاستطاعة بمجرد الهبة وعدم وجوب قبولها - القول بالتعبد والتنزيل هنا ؛ للفرق بين التمليك للحج والتمليك المطلق وهو بلا دليل . واللَّه تعالى شأنه هو العالم بجهات أحكامه .
الرابع : الظاهر أنه لا فرق في هذا الحكم بين كون الباذل موثوقاً به أو لا ،
كما لا يعتبر في المال الوثوق بالبقاء ؛ لعدم الفرق بين البابين ، فمن كان شاكاً في تلف ماله أو رجوع الباذل من بذله لا يسقط عنه الواجب .
نعم ، لو كان معتقداً عدم البقاء ، أو عدم استمرار الباذل على البذل ، أو كان واثقاً به لا يجب الحج ويكون وعد الباذل له مجرد الكلام .
الخامس : قد ذكرنا فيما أسلفناه : أن وجود نفقة العود معتبر في حصول الاستطاعة ،
والظاهر أن الأمر في المقام أيضاً كذلك ، فلا يصدق الاستطاعة ولا عرض الحج إلا بعرض نفقة الذهاب والإياب .
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة : ب 10 من أبواب وجوب الحج ح 1 .