تارةً : من ناحية المبدأ ، أي المصلحة والمفسدة ، والشوق والكراهة ، إذ الوجوب ناشيء عن المصلحة الملزمة غير المزاحمة ، والحرمة ناشئة عن المفسدة الملزمة غير المزاحمة ، والاستحباب عن المصلحة غير الملزمة ، والكراهة عن المفسدة غير الملزمة ، والإباحة عن المصلحة المزاحمة بالمفسدة المتساويتين ، أو عن عدم شيء منهما . فاجتماع الحكمين كالوجوب والحرمة يستلزم وجود المصلحة غير المزاحمة ، والمفسدة غير المزاحمة في موردٍ واحد ، وهو ممتنعٌ .
وأخرى : من ناحية المنتهى ، وهو امتثال التكليف . مثلًا الوجوب يستلزم إتيان الفعل ، والحرمة تستلزم تركه ، فمن تعلّقهما بشيء واحد معاً يلزم أنْ يفعل العبد فعلًا ويتركه ، وهو محال .
وعليه ، فالتضادّ بين الحكمين إنّما يكون تضادّاً بالعَرَض ، وإلّا فالتنافي إنّما يكون بين المبدأ والمنتهى فيهما .
وعلى ذلك ، فلا تضادّ بين الحكم الواقعي والظاهري :
أمّا من ناحية المنتهى : فلما مرّ آنفاً في الجواب عن محذور طلب الضدّين .
وأمّا من ناحية المبدأ : فلأنّ الأحكام الواقعيّة ناشئة عن المصالح والمفاسد في المتعلّقات .
وأمّا الحكم الظاهري : فهو إنّما يكون ناشئاً عن المصلحة في الجعل ، بمعنى المصالح النوعيّة ، مثلًا إيجاب الاحتياط ناشٍ عن التحفّظ على الواقع ، والبراءة عن التسهيل على المكلّفين ، وعليه فلا تضادّ بين الحكمين ، فتدبّر فإنّ هذا هو القول الفصل في المقام .
ولا يخفى أنّ هذا يصلح جواباً ثانياً عن محذور اجتماع المثلين .
* * *
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٨٤