( ويلكم يا حمقاء ، مهلا ، أتدرون من تقاتلون ؟ إنما تقاتلون
فرسان المصر ، وأهل البصائر ، وقوما مستميتين . . ) ( 1 ) .
إن ( فرسان المصر ) في مجتمع محارب ، وهو ما كأنه المجتمع
العربي الاسلامي في ذلك الحين ، تعبير يعني الشخصيات البارزة في
المجتمع ، فقد كان التفوق في الحقل العسكري أحد أفضل السبل لتبوء
مركز اجتماعي مرموق يبعث على الاحترام ، بل لقد كانت هذه الصفة
خليقة بأن تجعل الناس يغضون النظر عما قد يكون في الرجل من خلال
معيبة في نظر المجتمع ( 2 )
و ( أهل البصائر ) ( 3 ) تعبير يعنى به الواعون الذين يتخذون مواقفهم
هامش
( 1 ) الطبري : 5 / 435 .
( 2 ) إن التفوق في الحقل العسكري كان خليقا بأن يبعث على تجاوز النظرة المتحيزة ضد صفة
العجمة عند الموالي ، وأن يبعث على احترام المولى وتقديره ، لاحظ الكامل : 3 / 316 -
317 .
( 3 ) من المؤكد أن هذا التعبير مصطلح ثقافي إسلامي يعني : الفئة الواعية للاسلام على الوجه
الصحيح ، والملتزمة به في حياتها بشكل دقيق ، بحيث تتخذ مواقف مبدئية من المشكلات التي
تواجهها في الحياة والمجتمع ، ولا تقف على الحياد أمام هذه المشكلات وإنما تعبر عن التزامها
النظري بالممارسة اليومية لنضال ضد الانحرافات .
ويبدو لنا من دراسة مستعجلة لهذا المصطلح أنه ولد في الثقافة الاسلامية في وقت مبكر ، وبالتحديد
حين بدأت قوى الانحراف تنشر مفاهيمها وأساليبها وتجمع لنفسها الأنصار . ولذا نجد أنه كثير
الورود في كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أسفرت قوى الانحراف في عهده عن
وجهها واضطرته لخوض المعارك الفكرية والعسكرية معها ، وإذا كان قد عجز عن دحرها
عسكريا وتحطيمها بشكل نهائي ، واخراجها من دائرة الحياة الاسلامية ، فإنه قد أفلح في فضحها ،
وبيان زيفها على الصعيد الفكري .
لقد ورد هذا المصطلح في خطب أمير المؤمنين علي ، وكتبه وكلماته القصار للتعبير عن الفئة الواعية
في مقابلة غير الواعين ، ولبيان موقف الفئة الواعية من الاغراءات ، أو للتعبير عن موقف الانسان
غير الواعي من الاغراءات والمخاوف .
فقد ورد مثلا في كتاب منه إلى معاوية بن أبي سفيان ، قوله :
( وأرديت جيلا من الناس كثيرا خدعتهم بغيك ، وألقيتهم في موج بحرك . . فجاروا عن وجهتهم
ونكصوا على أعقابهم ، . . . وعولوا على أحسابهم ، إلا من فاء من أهل البصائر ، فإنهم فارقوك
بعد معرفتك ، وهربوا إلى الله من موازرتك ) نهج البلاغة - باب الكتب - رقم النص : 32 .
ومما قاله عز الدين بن أبي الحديد في شرحه تعليقا على هذا النص :
( ( وعولوا على أحسابهم ) أي لم يعتمدوا على الدين ، وإنما أردتهم الحمية ونخوة الجاهلية
فاخلدوا إليها وتركوا الدين ، ثم استثنى قوما فاءوا . . . ) شرح نهج البلاغة : 16 / 132 -
133 .
وورد في خطبة له يومئ فيها إلى الملاحم ويصف فئة من أهل الضلال :
( وطال الأمد بهم ليستكملوا الخزي ، ويستوجبوا الغير ، حتى إذا اخلو لحق الاجل ، واستراح قوم إلى
الفتن - لم يمنوا ( أهل البصائر ) على الله بالصبر ، ولم يستعظموا بذل أنفسهم في الحق ، حتى
إذا وافق وارد القضاء انقطاع مدة البلاء ، حملوا بصائرهم على أسيافهم ، ودانوا لربهم بأمر
وأعظمهم ) .
وهو يعني الجاهليين من جهة والمسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله من جهة أخرى .
وقال ابن أبي الحديد في شرحه تعليقا إلى هذا النص .
( . . حتى إذا ألقى هؤلاء السلام إلى هذه الفئة عجزا عن القتال ، واستراحوا من منابذتهم بدخولهم
في ضلالتهم وفتنتهم . . . أنهض الله هؤلاء ، العارفين الشجعان فنهضوا ( وحمل هؤلاء
العارفون بصائرهم على أسيافهم . . . يعني أنهم أظهروا بصائرهم وعقائدهم للناس وكشفوها ،
وجردوها من أجفافها ، فكأنها شئ محمول على السيوف يبصره من يبصر السيوف . . . ) شرح
نهج البلاغة : 9 / 129 - 131 .
إن قوله : ( حملوا بصائرهم على أسيافهم ) يعني في لغتنا الحاضرة : المواقف المبدئية المعلنة
والنضال في سبيلها .
ومن النصوص التي وردت في نهج البلاغة عن أهل البصائر قوله عليه السلام في خطبة من خطب
الملاحم .
( قد انجابت السرائر لأهل البصائر ووضحت محجة الطريق لخابطها . . . )
ومن ذلك قوله في خطبة يصف فيها النحلة والجرادة .
( ولو فكروا في عظيم القدرة وجسيم النعمة لرجعوا إلى الطريق وخافوا عذاب الحريق ، ولكن القلوب
عليلة والبصائر مدخولة . . . ) .
ومن ذلك قوله يخاطب أصحابه :
( . . . فانفذوا على بصائركم ، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم ، فوالذي لا إله إلا هو اني لعلى جادة
الحق ، وإنهم لعلى مزلة الباطل . . . )
ومن ذلك قوله في دعاء .
( اللهم انك آنس الآنسين لأوليائك . . تشاهدهم في سرائرهم ، وتطلع عليهم في ضمائرهم وتعلم
مبلغ بصائرهم . . . ) .
ومن ذلك قوله في إحدى كلماته القصار :
( . . . الأماني تعمي أعين البصائر . . . ) .
وورد هذا المصطلح في كلمة للمهدي العباسي قالها لوزيره الربيع علق بها على موقف أحد الثوار في
عهده وصلابته وثباته : ( أما ترى قلة خوفه وشدة قلبه ، هكذا تكون والله أهل البصائر ) ) مقاتل
الطالبيين : 418 .