الجناية وأبلغ ما يكون هذا إذا كان العيب والقصاص دائم الأثر وباقيه ، فالقصاص بدون بقاء أثره بالترقيع كأنّه لغو ، وهو المقصود ظاهراً بقوله عليه السلام : « جعل القصاص من أجل الشين » .
نعم ، المتفاهم منه أن جعل القصاص لأجل الشين الحاصل في المجنيّ عليه ، فإذا كان المجنيّ عليه رقع عضوه وكان متمكِّناً من ذلك فلا مانع من ترقيع الجاني أيضاً وإلّا كان عذاب الجاني زائداً على جنايته وخارجاً عن حقيقة القصاص ، وسيأتي للكلام تتمّة إن شاء اللَّه تعالى .
وهذا التعليل من قبيل بيان حكمة القصاص في النفس الوارد في قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَا أُوْلِى الْأَلْبَابِ « 1 » ، فكما أنّ في قصاص النفس ضمان لحياة الناس كذلك في قصاص الطرف أمان لسلامة الناس من الاعتداء .
ولا ينافي هذا - الذي ذكرناه أخيراً - ما تقدّم من أنّ المراد من الشين هو إيراده على الجاني على وجه لا يُمكَّن من الترقيع ؛ فإنّ ذلك هو المدلول المطابقي والذي ذكرناه أخيراً هو المفهوم ، من جهة مناسبة الحكم والموضوع ، ولا منافاة بين الأمرين ، فلاحظ .
ثمّ إنّ الذي تقتضيه القواعد - بغضّ النظر عن هذا النصّ - هو كون الجناية من الجاني موجباً لحقّ القصاص للمجنيّ عليه ، كما قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ « 2 » ، وإن كان المجنيّ عليه عالج الجناية ورفعها بالترقيع ونحوه ؛ ولذا لم يحتمل فقيه في الجراحات سقوط حقّ القصاص إذا برئ الجرح الواقع بالجناية .
ولعلّ الذي يحدو إلى احتمال سقوط القصاص في قطع العضو بعد ترقيعه هو
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 179 .
( 2 ) سورة البقرة الآية 194 .