تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفقه والأصول — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
الأمور الاعتباريّة ، على أنّ قوله : « لا فرق بينهما ، إلّافي أنّ الحقّ قابل للإسقاط » محلّ السؤال ، وهو : أنّه من أين يجيء القابليّة في الحقّ دون الحكم ؟ وهذا كاشف عن اختلاف أساسيّ بين الحقّ والحكم . والتحقيق أن يقال : إنّ الحقّ وإن كان اعتباره ممكناً وقابلًا لأن يكون منشأ انتزاع الحكم أيضاً ، إلّاأنّه في كثير ، بل جميع الحقوق الشرعيّة والعقلائيّة يكون أمراً انتزاعيّاً قد ينتزع من الأحكام الشرعيّة التكليفيّة أو الوضعيّة ، وقد ينتزع من الأحكام العقلائيّة ويسمّى حقّاً عقلائيّاً ، مثلًا من وجوب إطاعة الأب وحرمة مخالفته ينتزع حقّ الابوّة ، ومن جواز التصرّف في الأرض ينتزع حقّ التحجير ، ومن عدم جواز مزاحمة شخص لشخص آخر ينتزع حقّ السبقة . فمن سبق إلى مكان لا يجوز للغير أن يزاحمه ، والانتفاع من المكان حقّ للسابق ، وينتزع أيضاً من كثير من المباحات حقّ الانتفاع بها ، ومن وجوب تمكين الزوجة للزوج ينتزع حقّ الزوج ، ومن وجوب نفقة الزوجة عليه ينتزع حقّ الزوجة ، وهكذا . فالحقّ أمر انتزاعيّ ، ويؤيّد هذا أنّه ما من فعل إلّاوله حكم في الشرع أو العرف من حرمة أو إباحة بالمعنى الأعمّ ، ومن هذه الأحكام ينتزع الحقّ في بعض مواردها ، وهو اصطلاح عامّ في الشرع والعرف . إن قلت : ما هو الموجب لهذا الاصطلاح الانتزاعي ، وما هي الفائدة من الانتزاع ، فهل بدونه نقص ، أم لا ؟ قلت : إنّهم لمّا رأوا أنّ في بعض موارد الحكم يوجد نفع يرجع إلى شخص أو أشخاص ، عبّروا عن هذا ب « الحقّ » ، فالتعبير به ، أو انتزاعه من الحكم لأجل الإشارة إلى وجود نفع خاصّ يرجع إلى من له الحقّ .