إرادة التطهير وإذهاب الرجس تشريعاً لا تختصّ بأهل البيت عليهم السلام ، بل اللَّه تعالى يريدهما في مقام التشريع من جميع العباد ، وما يختصّ بهم عليهم السلام إنّما هو إرادة عصمتهم تكويناً .
فهل هذا لا يقتضي كون العصمة أمراً جبريّاً اضطراريّاً ؟
قلت : لا ، فإنّ تركهم عليهم السلام المحرّمات جبراً لا يوجب فضيلة لهم كي تكون الآية الشريفة في مقام بيانها .
بل إنّهم عليهم السلام يتركون المحرّمات مع كونهم قادرين عليها .
توضيح ذلك : أنّ العصمة أمر متحقّق في جميع أفراد الإنسان في الجملة ، ولو بأقلّ مراتبها ، فإنّا نقطع بأنّ الإنسان العاقل المتشخّص لا يكشف عورته بمرأى الناس ومنظرهم ، مع أنّه قادر عليه ، لوضوح قبحه عنده ، وهذه مرتبة نازلة من العصمة ، وكلّما ازدادت معرفة الناس بحقائق الأمور وقبح المعاصي ازدادت عصمتهم ، وحيث إنّ قبح جميع المحرّمات وما يترتّب عليها من الآثار والتبعات كان واضحاً عند أهل البيت وسائر المعصومين عليهم السلام لم يحوموا حولها ، بل ولا حول المكروهات ، مع كونهم قادرين عليها ، فتعلّق إرادة اللَّه التكوينيّة بكونهم عليهم السلام معصومين لا يوجب سلب اختيارهم في باب الإطاعة والعصيان .
والحاصل : أنّ الكتاب والسنّة والعقل والوجدان تحكم بأنّ الكفر والإيمان والإطاعة والعصيان تكون تحت حاكميّة الاختيار ، فلا يصحّ قياسها بمثل طول القامة وقصرها من الصفات المتحقّقة بالاضطرار ، وإن كان كلا الفريقين من عوارض الوجود الخارجي للإنسان ، كما لا يصحّ قياسها بأجزاء الماهيّة ولوازمها . فلا يترتّب استحقاق العقوبة والمثوبة إلّاعلى ما يصدر عن الإنسان بإرادته واختياره .
هذا تمام الكلام في الانقياد والتجرّي وما يتعلّق بهما .
أصول الشيعه لإستنباط أحكام الشريعة — صفحة 85
مساهمون: محمد حسين يوسفى گنابادى
ص٨٥