لا يقال : ما ذكرته جارٍ في دوران الأمر بين التعييني والتخييري أيضاً ، لأنّ لنا فيه واجبين أيضاً ، وربما دلّ على وجوب كلّ منهما غير ما دلّ على وجوب الآخر ، وهذا الأمر - أعني تعدّد الدليل - أوجب أن نشكّ في أنّ وجوبهما تعييني يجب الإتيان بكليهما ، أو تخييري يوجب الإتيان بأحدهما سقوط الآخر ، فالقاعدة تقتضي أن يجري هاهنا أيضاً لإثبات التعيينيّة نظير الاستدلال الجاري في تلك المسألة لإثبات النفسيّة ، إذ لا فرق بين المسألتين في تعدّد الواجب ، وفي كون ما دلّ على وجوب كلّ منهما غير ما دلّ على وجوب الآخر ، فلابدّ من أن نعامل مع الدليلين هاهنا كما عاملنا مع الدليلين هناك ، ونستنتج هنا كون الوجوب تعيينيّاً ، كما استظهرنا هناك كونه نفسيّاً .
فإنّه يقال : ملاك الاستدلال في تلك المسألة لم يكن مجرّد تعدّد الدليل ، كي يدّعى جريانه هنا أيضاً ، بل كان الملاك جريان الإطلاق في مادّة دليل أحد الواجبين لإثبات نفسيّة الوجوب المستفاد من الدليل الآخر ، وهذا لا يكاد يجري في الشكّ في التعيينيّة والتخييريّة ، لأنّ الإطلاق لو جرى فيه لجرى في كلا الدليلين أوّلًا ، لعدم الفرق بينهما « 1 » ، والإطلاق المفروض جريانه فيهما مربوط بهيئتهما « 2 » ثانياً ، فبين المسألتين بون بعيد .
والحاصل : أنّ ما ذكرناه كان مختصّاً بالشكّ بين النفسي والغيري ، ولا يجري في الدوران بين التعييني والتخييري ، ولا بين العيني والكفائي ، سواء كان الدليل واحداً أم متعدِّداً .
هامش
( 1 ) بخلاف مسألة النفسي والغيري التي يكون أحد الواجبين فيها شرطاً والآخر مشروطاً . منه مدّ ظلّه .
( 2 ) وقد عرفت عدم صحّة التمسّك بإطلاق الهيئة في ما نحن فيه في الردّ على كلام المحقّق الخراساني والاصفهاني 0 . م ح - ى .