ما ورد في جبل ثنية الوداع من الأحاديث والآثار :
قال ابن شبة عن عامر بن جابر قال : ( كان لا يدخل المدينة أحد إلا من طريق واحد من ثنية الوداع فإن لم يعشر بها - أي ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد - مات قبل أن يخرج منها ، فإذا وقف على الثنية قيل : قد ودع فسمي ثنية الوداع ) « 1 » .
وقد كان هذا الاعتقاد اعتقادا جاهليا روجه اليهود في المدينة وقد كان مصدر هذا الاعتقاد أن كثرة الموتى في يثرب آنذاك هو دخولهم إلى المدينة إما من غير ثنية الوداع أو عدم تعشيرهم عليها ، بينما أن مصدر الحقيقة في ذلك أن يثرب آنذاك قد كانت أوبأ أرض الله . قال السمهودي : ( واتفق أهل الأخبار أن الوباء كان بالمدينة شديدا ، حتى روى ابن إسحاق عن هشام بن عروة قال : كان وباؤها معروفا في الجاهلية وكان الإنسان إذا دخلها وأراد أن يسلم من وبائها قيل له انهق ، فينهق كما ينهق الحمار ) « 2 » .
قال السمهودي في « دلائل النبوة » من طريق هشام عن أبيه عن عائشة قالت : ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي أوبأ أرض الله وواديها بطحان نجل يجري عليه الأثل ) . وقد ظل هذا الوهم يخيم على سكان يثرب حتى قدم عروة بن الورد العبسي إلى يثرب .
ويروي لنا ابن شبة هذه الحادثة بعد ذكرنا ما أورده من حديث عامر بن جابر فيقول : ( حتى قدم عروة بن الورد العبسي ، فقيل له : عشر بها فلم يعشر وأنشأ يقول :
لعمري لئن عشرت من خشية الردى * نهيق الحمار إنني لجزوع
ثم دخل فقال : يا معشر يهود ما لكم وللتعشير ؟ قالوا : إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر بها إلا مات ، ولا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال . فلما ترك عروة التعشير تركه الناس ودخلوا من كل ناحية « 3 » .
وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يذهب هذا البلاء ويصرف هذا الوباء عن المدينة ، قال السيد السمهودي : ( وتحويل الوباء من أعظم المعجزات إذ لا يقدر عليه جميع الأطباء وفي « البخاري » : رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة ، فتأوّلتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة ) . وفي « الأوسط » للطبراني ونحوه كتاب ابن زبالة : ( أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فجاءه إنسان كأنه من ناحية طريق مكة ، فقال له النبي صلى الله عليه
هامش
( 1 ) « تاريخ المدينة المنورة » - ابن شبة - ( 1 / 269 ) .
( 2 ) « وفاء الوفاء » - السيد السمهودي - ( 1 / 59 ) .
( 3 ) « تاريخ المدينة المنورة » - ابن شبة - ( 1 / 269 ) .