ج - عمرو ونسبة حريق مكتبة الإسكندرية إليه
لغط بعض المتأخرين من المؤرخين في مسألة إحراق مكتبة
الإسكندرية الشهيرة . وناقش هذا الخبر كثير من علماء الإفرنج مثل
( جبون ) و ( بطلر ) و ( سديو ) و ( چوستاف ليبون ) وغيرهم فلم يمكنهم
الجزم بأن عمرو بن العاص هو الذي أحرقها حقيقة بأمر الخليفة عمر
بن الخطاب ، كما زعم بعضهم - بل ارتابوا في صحة هذه الدعوى التي
تنافي التقاليد الإسلامية ، ولا يؤيدها أحد من المؤرخين المعاصرين للفتح
الإسلامي ، مثل ( أوتيخوس ) الذي وصف فتح الإسكندرية بإسهاب ، فلم
يرد لهذا الخبر ذكر البتة في تواريخهم . . الذي يدل على اختلاق هذا
الخبر أيضا أنه لم يرد في تواريخ المقدمين ، كالطبري والكندي
واليعقوبي والبلاذري وابن عبد الحكم ، ولا عمن أخذ عنهم من المتأخرين
كالمقريزي والسيوطي . لذلك طرحت هذه الأقوال الآن جانبا ، لأنها
ليست قائمة على أساس متين .
وأول من نسب حريق مكتبة الإسكندرية إلى عمرو بن العاص
عبد اللطيف البغدادي الذي توفي سنة 1231 م ، بخلاف ما ذكره
المؤرخون المحدثون أن أبا الفرج الملطي ( 1 ) كان أول من ذكر هذه الحادثة ،
هامش
1 - هو غريغوريوس أبو الفرج بن أهرون المعروف بابن العبري ، ولد سنة 1226 م .
وكانت ولادته في مدينة ملطية قاعدة أرمينية الصغرى . جد من صفره في
الحفظ ، وأقبل على ارتشاف العلم فدرس أولا اليونانية والسريانية والعربية ، ثم
اشتغل بالفلسفة واللاهوت . فربه والده إلى أنطاكية سنة 1243 م فاختار أبو
الفرج هنالك طريقة الزهد والنسك ، وانفرد في مغارة بالبرية . ولم يلبث
غريغوريوس برهة في المغارة حتى شخص إلى طرابلس الشام . وأكمل قراءة
البيان والطب مع رفيق له يسمى صليبا . وفي تلك الأثناء استدعاه البطريرق
أغناطيوس سابا إلى أنطاكية ، ورقاه العشرين من سنة إلى أسقفية
جوباس من أعمال ملطية ، ونصب رفيقه أسقفا على كنيسة عكاء . وما زال يرتقي
في المناصب الكبرى حتى كانت سنة 1264 م فانتخبه البطريرق أغناطيوس
الثالث مغريانا ( مغريان كلمة سريانية معناها المثمر . وكان منصب المغريان
عند اليعاقبة من أكبر المناصب بعد البطريركية ، وهو بمقام كبير رؤساء
الأساقفة ) على جهات الشرق - أي نواحي ما بين النهرين الشرقية والعراق
العجمي ، فقام بمهام منصبه وأتى في مغريانيته أعمالا خطيرة وآثارا مشكورة .
عمر أبو الفرج ستين سنة وتوفي سنة 1286 م وكان ابن العبري رجل كد
وعمل ، ولم تنقطع حياته كلها عن المطالعة والتأليف ، فإنه ألف ما يزيد على
الثلاثين كتابا بالعربية والسريانية في الفلسفة وعلم الهيئة والطب والتاريخ
والنحو والشعر وغيرها . أما تأليفه لكتاب ( تاريخ الدول ) فإنه نقله من السريانية
إلى العربية في أواخر حياته ، وضمنه أمورا كثيرة لا توجد في المطول
السرياني ، ولا سيما فيها يتعلق بدولة الإسلام والمغول وتراجم العلماء
والأطباء . أه بإيجاز عن كتاب مختصر الدول ص : ح . د . ه . و . ( موجود
بالمكتبة السلطانية نمرة 1224 قسم التاريخ ) .