دلالة على أن ما رآه آحاد المسلمين حسنا أنه حسن عند الله ، وإلا كان ما رآه آحاد
العوام من المسلمين حسنا أن يكون حسنا عند الله ، وهو ممتنع .
وعن الاجماع على استحسان ما ذكروه ، لا نسلم أن استحسانهم لذلك هو
الدليل على صحته ، بل الدليل ما دل على استحسانهم له ، وهو جريان ذلك في زمن
النبي عليه السلام ، مع علمه به وتقريره لهم عليه أو غير ذلك
النوع الرابع - المصالح المرسلة
وقد بينا في القياس حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها وانقسامها باعتبار شهادة
الشارع لها إلى معتبرة وملغاة ، وإلى ما لم يشهد الشرع لها باعتبار ولا إلغاء ، وبينا ما
يتعلق بالقسمين الأولين ، ولم يبق غير القسم الثالث ، وهو المعبر عنه بالمناسب المرسل ،
وهذا أوان النظر فيه .
وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به ، وهو
الحق ، إلا ما نقل عن مالك أنه يقول به ، مع إنكار أصحابه لذلك عنه ، ولعل
النقل إن صح عنه فالأشبه أنه لم يقل بذلك في كل مصلحة ، بل فيما كان من المصالح
الضرورية الكلية الحاصلة قطعا ، لا فيما كان من المصالح غير ضروري ، ولا كلي ،
ولا وقوعه قطعي ،
وذلك كما لو تترس الكفار بجماعة من المسلمين ، بحيث لو كففنا عنهم ، لغلب
الكفار على دار الاسلام ، واستأصلوا شأفة المسلمين ، ولو رمينا الترس وقتلناهم ،
اندفعت المفسدة عن كافة المسلمين قطعا ، غير أنه يلزم منه قتل مسلم لا جريمة له .
فهذا القتل وإن كان مناسبا في هذه الصورة ، والمصلحة ضرورية كلية قطعية ،
غير أنه لم يظهر من الشارع اعتبارها ولا إلغاؤها في صورة .