بقيت هنا أمور :
الأمر الأوّل : لا شكّ في أنّ الفحص في الشبهات الموضوعية غير واجب ، وقد استوفينا البحث عنه في كتابنا « أنوار الأصول » « 1 » ولكن ذكر أنّه يستثنى منه موردان :
أوّلهما : ما أمكن حصول علمه بأدنى فحص ، كما إذا كان عند التاجر دفاتر للديون والمطالبات ، فشكّ في أنّه مديون لفلان ، فلم ينظر في دفتره ، وتمسّك بأصالة البراءة ، فإنّ ذلك لا يجوز ؛ لانصراف الأدلّة عنه .
وثانيهما : ما إذا كانت طبيعة الموضوع ممّا لا يمكن العلم بوجودها وعدمها إلّا بعد الفحص والبحث ، كالنصاب في الزكاة ، والاستطاعة في الحجّ ، وما زاد من الأرباح في الخمس ، فلا يجوز التمسّك بالبراءة بدون المحاسبة في شيء من ذلك ؛ فإنّ هذا هو مقتضى بناء العقلاء .
والظاهر أنّ الأمر في الإعسار واليسار كذلك ، فالواجب على القاضي أن يأمر أحداً بالبحث والفحص عن حال المدّعي ؛ فإن ظهر له حاله فلا إشكال ، وإن أبهم الأمر بعد ذلك يحكم لمنكر اليسار مع يمينه .
الأمر الثاني : قال السَرَخْسي : « إنّ الإقدام على بعض الأمور بمنزلة الإقرار باليسار ، مثل جعل المهر للمرأة ، وكذا الكفالة في الديون » « 2 » .
ونضيف إليه : أنّ الإقدام على التزويج ، إقرار منه ، بقدرته على النفقة .
والإنصاف : أنّ مثل هذه الأمور لا تكون بمعنى الإقرار ، ولا سيّما بالنسبة إلى المهر ، وهكذا النفقة ؛ قال اللَّه تعالى : وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ « 3 » ، فكثير من الشباب يتزوّجون برجاء القدرة في المستقبل . ولعلّ ما ذكره السَرَخْسي ، هو
هامش
( 1 ) . أنوار الأصول 3 : 197 .
( 2 ) . المبسوط ، السرخسي 5 : 193 .
( 3 ) . النور ( 24 ) : 32 .