ولكن لو قلنا : بأنّ الأحوط عدم أخذ شيء منها بعد الطلاق ، كان جديراً ؛ لأنّ العرف لا يرى حقّاً للزوج ما عدا أخذ جميع المهر ، بل يرى أخذ ما زاد عليه ، نوعاً من الإجحاف بحقّها ، هذا ما عندنا ، واللَّه وأولياؤه أعلم بحقائق الأحكام .
ولو كان المهر عيناً وقبضتها ، ثمّ وهبتها للزوج ، ثمّ طلّقها الزوج قبل الدخول ، يرجع عليها بنصف مثلها إن كانت مثليّة ، كالحنطة ، والشعير ، والذهب ، والفضّة ، وبنصف قيمتها لو كانت قيمية ، كما إذا كان المهر داراً ، أو فرساً ، أو شبه ذلك .
والدليل عليه أوّلًا : دعوى الإجماع السابق ؛ وإن كان فيه ما فيه .
وثانياً : ورود غير واحدة من روايات الباب في خصوص العين ، كما مرّ آنفاً .
وثالثاً : أولوية العين بالنسبة إلى الدين ؛ لأنّ هبة العين كإتلاف لها ، بخلاف الإبراء ، فإنّه ليس هبة ؛ لأنّ الإنسان لا يملك على نفسه شيئاً ، بل إسقاط حقّ ، وفي العين يصدق القبض ، ولكن في الدين لا يكون قبض ، فلو قلنا في الدين بجواز الرجوع ، ففي العين بطريق أولى .
ولكن يلاحظ عليها ما مرّ :
فأوّلًا : أنّ العرف يرى هذا إجحافاً بحقّ الزوجة .
وثانياً : أنّه أقدم على هذه الهبة لبقاء الزوجية ، فكأنّها شرطت في الهبة ذلك . وإن كان يمكن أن يقال : إنّ هذا من قبيل الداعي لا الاشتراط .
نعم ، لو علمت بأنّه سيطلّقها ، ومع ذلك وهبتها له ، فالقول برجوعه بنصف المهر عليها قريب ؛ لأنّه يكون من قبيل الهبة للأجنبي ، هذا .
وقد عرفت : أنّه يشكل رفع اليد عن روايات الباب مع عمل المشهور بها ؛ وإن كان الأحوط للزوج عدم أخذه منها ، واللَّه العالم بحقائق الأمور .
بقي هنا شيء : وهو أنّها لو وهبته نصف مهرها ، ثمّ طلّقها قبل الدخول ، فمقتضى ما سبق وجوب دفع النصف الباقي إليه ، وقد وقع التصريح به في رواية محمّد بن مسلم « 1 » .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 21 : 294 ، كتاب النكاح ، أبواب المهور ، الباب 35 ، الحديث 1 .