وهذه الفائدة بنفسها يتمتّع بها المنطق الذاتي وتحظى بها الدراسات التي سوف نقدّمها الآن تحت هذا الاسم ؛ لأنّها تتكفّل بفضح الوهم والكشف عن جملة من قضاياه بهدف تغليب سلطان العقل على سلطانه ، والحؤول دون حصول العلم لدى الإنسان من خلال ما يقدّمه له الوهم من معطيات .
وقد ألمحنا سابقاً - ونذكره الآن بشيءٍ من التفصيل - إلى أنّ القضيّة التي ينتهي إليها الوهم تتّخذ أحدَ نحوين :
أ - فتارةً تكون بحيث يمكن للعقل الأوّل والعقل الثاني إبطالها بالصناعة إبطالًا جازماً ، وذلك بإثبات نقيضها كما في المثال الذي قدّمناه سابقاً ، حيث ذكرنا أنّ الإنسان قد يقطع تحت تأثير وهمه بعدم تناهي العالم ، ثمّ يأتي دور العقل الأوّل ليرتّب المقدّمات بصناعة البرهان وينتهي إلى نتيجة متناقضة تماماً مع النتيجة السابقة ، ويفرض بذلك على الإنسان القطع بتناهي العالم والكمّيّات المتّصلة فيه .
إذن : انتهى العقل في هذه الحالة إلى نتيجة قطعيّة مضادّة للنتيجة التي أوهم الوهم بصحّتها .
ب - وتارةً أخرى لا يكون الحكم الذي يصدره العقل في مقابل الوهم حكماً قطعيّاً ، وإنّما يولّد في مقابله احتمالًا لا يصل إلى درجة القطع ، ولكنّه يعمل على المحافظة على هذا الاحتمال وصيانته ، بحيث لا يُمكن القضاء عليه إلّا إذا تمّ تهميش دور العقل بشكل كامل والانصياع الكامل لسلطان الوهم والانغماس في أحكامه .
والمنطق الذاتي - بحسب ما سنبيّنه في هذه المحاضرات - يتكفّل أمر محاربة الوهم على كلا الصعيدين ، ويحدّ من انسياق الإنسان مع الوهم في كلتا الحالتين .
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 ) — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٨٤