الفائدة العمليّة للمنطق الذاتي :
وقبل الدخول في موضوع بحثنا ، تبقى مسألة لا بدّ من بيانها ، وهي ترتبط بالفائدة العمليّة المرجوّة من المنطق الذاتي : فالمنطق الذاتي - على ضوء ما عرفناه حتّى الآن - يأخذ على عاتقه بيان وتوضيح قوانين الطريقة الذاتيّة في توالد المعرفة ، فهل لذلك فائدة ترتجى في عصمة ذهن الإنسان وصيانته عن الوقوع في الخطأ في الفكر كما هو الحال لدى أصحاب المنطق البرهاني بحسب ما يدّعونه « 1 » ؟ ! فإنّ فائدة المنطق البرهاني تكمن في أنّ مراعاة قوانينه تعصم الذهن عن الوقوع في الخطأ ، أو بتعبير متواضع وصحيح : تحدّ من الأخطاء وتقلّل منها ، وهذا ما عبّرنا عنه بالفائدة العمليّة .
أمّا آليّات هذه العمليّة وكيفيّة مساعدة هذا المنطق على الحدّ من الأخطاء ، فبتزويده الإنسان بالقدرة على التمييز بين الوهم وبين العقل ، أي بالقدرة على إبطال القضايا التي تنشأ من الوهم . وسنستعرض في البحوث المقبلة كيف أنّ الوهم هو أحد مناشئ الخطأ الذي يقع فيه الإنسان .
إذن : الوهم يجرّ الإنسان في كثيرٍ من الأحيان إلى الوقوع في كثيرٍ من الأخطاء ، ووظيفة منطق البرهان إزاء ذلك تزويد الإنسان بالقدرة على التمييز بين العقل وبين الوهم ، وذلك عبر تزويده بصناعة البرهان التي تخوّله ترتيب المقدّمات ، واستدراج الوهم بالنحو الذي ذكرناه سابقاً ، إلى أن ينتهي إلى دفعه ، وذلك من خلال البرهنة على بطلان ما انتهى إليه .
هذه فائدة مهمّة سجّلت لمنطق البرهان .
هامش
( 1 ) راجع : المنطقيّات للفارابي 3 : 434 ؛ الرسالة الشمسيّة : 3 ؛ كتاب التعريفات : 102