تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
من هنا ، استحدث الارتكاز العقلائي الوعاء الاعتباري الذي صاغته صناعة الفقه الإسلامي في مصطلح ( الذمّة ) . وأراد الارتكاز العقلائي من هذا المصطلح أن يقنّن وجود وعاء اعتباري ملصق بشخص الإنسان ، يكون صالحاً لتعلّق الملكيّة بأشياء وهميّة في داخله ، وهكذا تحدث الذمّة لإيجاد هذه الأموال الاعتباريّة فيها ؛ كي تُسْقَط هذه الملكيّة على هذه الأموال الاعتباريّة . وحيث كانت الذمّة وعاءً اعتباريّاً ملصقاً بشخصية الإنسان - بل جزءاً منها بحسب الارتكاز العقلائي - شملت سيطرة الإنسان على نفسه ؛ فتلك السلطنة التي كانت ثابتةً للإنسان على نفسه وقواه وشؤونه التكوينيّة سابقاً تنسحب وتسري إلى هذا الشأن الاعتباري ، وبهذا يكون الإنسان مسلّطاً على ذمّته على حدّ سلطنته على نفسه التي تحّدثنا عنها سابقاً ، بمعنى أنّه أولى من غيره بالتصرّف في ذمّته ، أو أولى منهم بالاستمتاع بها والاستفادة منها ، وهذا هو معنى كونه مسلّطاً عليها ومالكاً لها . وعليه : فسلطنة الإنسان على ذمّته من مظاهر سلطنته على نفسه ، بمعنى رجوع السلطنة على الذمّة إلى السلطنة على الذات وقواها ؛ فيكون أولى من غيره بالاستفادة من هذا الوعاء الاعتباري كما كان أولى منهم بالاستفادة من نفسه أو قواه الخارجيّة . نعم ، يمكن للقانون النافذ أن يجعل أشياء في هذه الذمّة رغماً عن صاحبها ، فيجعله مشغول الذمّة إذا أتلف مال الغير ، ويقول له : « إذا أتلفت مال غيرك تشتغل ذمّتك » ، أو يجعله مشغول الذمّة تجاه زوجته مثلًا ، وهكذا . . أمّا مع قطع النظر عن القانون النافذ ، يكون الإنسان نفسه هو المسلّط على هذه الذمّة وأولى من غيره بها .