وبما ذكرنا ، ظهر أنّ البحث على هذا المستوى بهذه الصورة له مجال واسع ؛ لأنّ هذا الحكم ليس حكماً تأسيسيّاً من قبَل الشارع ، بل إمضائي ؛ فلا بدّ من النظر إلى النكتة الممضاة في المقام في المرتبة السابقة .
ويمكننا أن نستفيد من بعض الأدلّة الشرعيّة إمضاء هذا الارتكاز العقلائي أيضاً وإمضاء كبرى أنّ الحقّ في المقام قابل للإسقاط ، بحيث يفرض أنّ قابليّته له من شؤون الحقّيّة ، لا أنّ الحقّيّة من شؤون هذه القابليّة .
وذلك مثل ما ورد في صحيحة محمّد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام في كتاب القصاص والديات ، قال : « قلت له : رجلٌ جنى إليَّ « 1 » ، أعفو عنه أو أرفعه إلى السلطان ؟ قال : هو حقّك ، إن عفوتَ عنه فحسن ، وإن رفعته إلى الإمام فإنّما طلبت بحقّك ، وكيف لك بالإمام ؟ ! » « 2 » .
فإنّ ظاهر قوله : « إن عفوت فحسن ، وإن . . » أنّه بيان لحقّه وتفريع مبنيّ على هذا الحقّ . فحينئذٍ : إن شئت تعفو ، وإلّا فاشكه إلى السلطان .
وظاهر هذا التفريع أنّ الإسقاط من شؤون الحقّيّة ، فيكون الإمام قد بيّن الصغرى في المقام ، وأمّا الكبرى - وهي أنّ كلّ حقّ قابل للإسقاط - فأحالها إلى الارتكاز العقلائي والفهم العرفي كما هي الحال في كثير من التعليلات ، من قبيل قوله : « العمري وابنه ثقتان » « 3 » ، أو قوله : « آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني ؟ ! » « 4 » و . . فهذا بيان للصغرى ، وأمّا الكبرى - وهي أنّ كلّ ثقة تُؤخذ
هامش
( 1 ) في المصدر : « عليَّ »
( 2 ) وسائل الشيعة 28 : 38 ، الباب 17 من أبواب مقدّمات الحدود وأحكامها العامّة ، الحديث 1
( 3 ) وسائل الشيعة 27 : 138 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به ، الحديث 4
( 4 ) وسائل الشيعة 27 : 147 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به ، الحديث 33