وإذا افترضنا أنّ القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يُتَح لها أن تكتشف واقع الأمر فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها ؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبيّ صبيّاً في فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان ، وما كان أنجحه من اسلوبٍ أن تقدِّم هذا الصبيّ إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته ، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحية والفكرية . فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخصٍ في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقَدَرٍ كبيرٍ من ثقافة عصره لتسلّم الإمامة ، فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبيّ اعتياديّ مهما كان ذكياً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشيعة الإماميون ، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقَّدة وأساليب القمع والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذٍ .
إنّ التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة ، هو أنّها أدركت أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة حقيقية وليست شيئاً مصطنعاً .
والحقيقة أنّها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع ، والتأريخ يحدِّثنا عن محاولاتٍ من هذا القبيل وفشلها ، بينما لم يحدِّثنا إطلاقاً عن موقفٍ تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكّرة أو واجه فيه الصبيُّ الإمامُ إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة الناس فيه .
وهذا معنى ما قلناه من أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت وليست مجرّد افتراض .
[ الإمامة المبكّرة في رسالات السماء : ]
كما أنّ هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتدّ عبر الرسالات والزعامات الربّانية .