فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى من الآخر .
وإذا تعذر ترجيح أحد الامرين مع صحة الاطلاق فيهما ، كان القول بالاشتراك أشبه ،
اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة
وجودية ، فيكون النقل أخص .
ومع هذا كله ، فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي .
وأما معناه في اصطلاح الأصوليين ، فقد اختلف فيه
فقال أبو الحسين البصري : هو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى
أو عن رسوله ، مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وهو فاسد من وجهين :
الأول : هو أن إزالة المثل إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه ،
أو في حالة وجوده :
الأول محال ، فإن ما لم يوجد ، لا يقال إنه أزيل
والثاني أيضا محال ، فإن إزالة ما عدم بعد وجوده ممتنع .
والثالث أيضا محال ، لان الإزالة هي الاعدام ، وإعدام الشئ حال وجوده محال ( 1 )
الوجه الثاني : أنه غير مانع إذ يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من الأحكام العقلية
قبل ورود الشرع بخطاب الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب الشارع
المغير لكان ذلك الحكم مستمرا ، وليس بنسخ في مصطلح المتشرعين إجماعا .
ومنهم من قال : هو إزالة الحكم بعد استقراره ، ويبطل بالوجهين السابقين ،
وبما لو زال الحكم بعد استقراره بمرض أو جنون أو موت ، فإنه داخل فيما قيل ،
وليس بنسخ إجماعا .
ومنهم من قال : هو نقل الحكم إلى خلافه ، ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله
وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية ، كما في قوله تعالى : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * ( 2 ) البقرة : 187 )
فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب إلى خلافه فيما بعد الغاية ، وليس بنسخ ، وبه
يبطل قول من قال في حده إنه بيان مدة الحكم .
هامش
1 - سيأتي مثل هذا الترديد في أدلة المانعين للنسخ عقلا وجواب الآمدي عنه .
وبذلك تعرف لونا من جدل الآمدي في نقاشه ودفاعه .