ثالثاً : ما زخرت به تلك الفترة من أحداث وألوان الصراع السياسي والعسكري على جبهات متعدّدة ، الأمر الذي ميّز طبيعة العلاقة بين الرسول الأعظم وصحابته عن نوع العلاقة بين شخص كالسيّد المسيح وتلامذته ، فلم تكن علاقة مدرِّس ومربٍّ متفرّغ لإعداد تلامذته ، وإنّما هي العلاقة التي تتناسب مع موقع الرسول كمربٍّ وقائد حرب ورئيس دولة .
رابعاً : ما واجهته الجماعة المسلمة نتيجة احتكاكها بأهل الكتاب ، وبثقافات دينيّة متنوّعة من خلال صراعها العقائدي والاجتماعي ، فقد كان الاحتكاك وما يطرحه على الساحة خصوم الدعوة الجديدة المثقّفون بثقافات دينيّة سابقة مصدر قلق وإثارة مستمرّة ، وكلّنا نعرف أنّه شكّل بعد ذلك تيّاراً فكريّاً إسرائيليّاً تسرّب بصورة عفويّة - أو بسوء نيّة - إلى كثيرٍ من مجالات التفكير « 1 » ، ونظرة فاحصة في القرآن الكريم تكفي لاكتشاف حجم المحتوى لفكرة الثورة المضادّة ، ومدى اهتمام الوحي برصدها ومناقشة أفكارها « 2 » .
خامساً : إنّ الهدف الذي كان يسعى المربّي الأعظم صلى الله عليه وآله لتحقيقه على المستوى العام وفي تلك المرحلة هو إيجاد القاعدة الشعبية الصالحة التي يمكن لزعامة الرسالة الجديدة - في حياته وبعد وفاته - أن تتفاعل معها ، وتواصل عن طريقها التجربة ، ولم يكن الهدف المرحلي وقتئذٍ تصعيد الامّة إلى مستوى هذه الزعامة نفسها بما تتطلّبه من فهم كامل للرسالة ، وتفقّهٍ شامل على أحكامها ، والتحام مطلق مع مفاهيمها ، وتحديد الهدف في تلك المرحلة بالدرجة التي
هامش
( 1 ) راجع الإسرائيليات في التفسير والحديث . الدكتور محمّد حسين الذهبي
( 2 ) انظر مثلًا سورة المائدة الآيات : 15 - 19 ، وسورة آل عمران الآية : 60 وما بعدها