تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة الجزء الأول والثاني ( تراث الشهيد الصدر ج 7 ) — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وكأنّ أصحاب هذا التقريب جعلوا الاضطرار العقلي إلى ترك النجس كالاضطرار العقلي إلى ارتكابه ، فكما لا ينجِّز العلم الإجمالي مع الاضطرار إلى ارتكاب طرفٍ معيَّنٍ منه - على ما مرّ في الحالة الثانية - كذلك لا ينجّز مع الاضطرار العقلي إلى تركه ؛ لأنّ التكليف مشروط بالقدرة ، وكلّ من الاضطرارين يساوق انتفاء القدرة ، فلا يكون التكليف ثابتاً على كلّ تقدير . والتحقيق : أنّ الاضطرارين يتّفقان في نقطةٍ ويختلفان في أخرى ، فهما يتّفقان في عدم صحة توجّه النهي والزجر معهما ، فكما لا يصحّ أن يزجر المضطرّ إلى شرب المائع عن شربه كذلك لا يصحّ أن يزجر عنه من لا يقدر على شربه ، وهذا يعني أنّه لا علمَ إجماليٌّ بالنهي في كلتا الحالتين . ولكنّهما يختلفان بلحاظ مبادئ النهي من المفسدة والمبغوضية ، فإنّ الاضطرار إلى الفعل يشكِّل حصّةً من وجود الفعل مغايرةً للحصّة التي تصدر من المكلف بمحض اختياره ، فيمكن أن يفترض أنّ الحصّة الواقعة عن اضطرارٍ كما لا نهي عنها لا مفسدة ولا مبغوضية فيها ، وإنمّا المفسدة والمبغوضية في الحصّة الأخرى . وأمّا الاضطرار إلى ترك الفعل والعجز عن ارتكابه فلا يشكِّل حصّةً خاصّةً من وجود الفعل على النحو المذكور ، فلا معنى لافتراض أنّ الفعل غير « 1 » المقدور للمكلف ليس واجداً لمبادئ الحرمة ، وأ نّه لا مفسدة فيه ولا مبغوضية ، إذ من الواضح أنّ فرض وجوده مساوق لوقوع المفسدة وتحقّق المبغوض ، فكم فرق بين من هو مضطرّ إلى أكل لحم الخنزير لحفظ حياته ومن هو عاجز عن أكله لوجوده في مكانٍ بعيدٍ عنه ؟ فأكل لحم الخنزير على اضطرارٍ اليه قد لا يكون فيه
هامش
( 1 ) كلمة ( غير ) ساقطة في الطبعة الأولى ولكنّها موجودة في النسخة الخطيّة الواصلة إلينا .