وهذه الاحتمالات كلها إن لم توجب الترجيح ، فلا أقل من المساواة .
وعلى كلا التقديرين ، فيمتنع تخصيص العام بالقياس .
فإن قيل : القول بالوقف خلاف الاجماع قبل وجود الواقفية ، إذ الأمة
مجمعة على تقديم أحدهما ، وإن اختلفوا في التعيين ، ولأن القول بالوقف مما يفضي
إلى تعطيل الدليلين عن العمل بهما ، والمحذور فيه فوق المحذور في العمل بأحدهما ، فالعمل بالقياس
أولى ، لأنا لو عملنا بالعموم لزم منه إبطال العمل بالقياس مطلقا . ولو عملنا
بالقياس ، لم يلزم منه إبطال العموم مطلقا ، لامكان العمل به فيما عدا صورة التخصيص .
ولا يخفى أن الجمع بين الدليلين ، ولو من وجه ، أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر .
قلنا : نحن لا نقول بالوقف لما بيناه من ترجيح العمل بالعموم على العمل
بالقياس . وبتقدير القول بالوقف ، لا نسلم إجماعهم على إبطال الوقف ، إلا أن
يوجد منهم التصريح بذلك ، وهو غير مسلم . ولهذا فإن كل واحد من المجتهدين
لا يقطع بإبطال مذهب مخالفه ، مع مصيره إلى نفي ما أثبته ، أو إثبات ما نفاه
فلان لا يكون قاطعا بإبطاله عند توقفه في نفي ما أثبته ، أو إثبات ما نفاه ، أولى .
قولهم إن العمل بالقياس غير مبطل للعمل بالعموم ،
قلنا في محل المعارضة أو في غيرها ؟ الأول ممنوع ، والثاني مسلم . والنزاع إنما
وقع في الترجيح في محل المعارضة دون غيره .
وبالجملة ، فلا يمتنع على المجتهد في هذه المسألة الحكم بالوقف أو الترجيح ،
على حسب ما يظهر في نظره في آحاد الوقائع من القرائن والترجيحات الموجبة
التفاوت أو التساوي من غير تخطئة إذ الأدلة فيها نفيا وإثباتا ، ظنية ، غير قطعية ،
فكانت ملحقة بالمسائل الاجتهادية دون القطعية ، خلافا للقاضي أبي بكر .
الاحكام — صفحة 339
مساهمون: الآمدي
ص٣٣٩