المسألة الثالثة
اتفق العقلاء على أن النهي عن الفعل يقتضي الانتهاء عنه دائما ، خلافا لبعض
الشاذين . ودليل ذلك ، أنه لو قال السيد لعبده لا تفعل كذا وقدرنا نهيه مجردا
عن جميع القرائن ، فإن العبد لو فعل ذلك في أي وقت قدر ، يعد مخالفا لنهي سيده ،
ومستحقا للذم في عرف العقلاء وأهل اللغة . ولو لم يكن النهي مقتضيا للتكرار
والدوام ، لما كان كذلك .
فإن قيل : لا خفاء بأن النهي قد يرد ويراد به الدوام ، كما في النهي عن الربا
وشرب الخمر ونحوه ، وقد يرد ولا يراد به الدوام ، كما في نهي الحائض عن الصوم
والصلاة ونحوه ، والصورتان مشتركتان في طلب ترك الفعل لا غير ، ومفترقتان
في دوامه في إحدى الصورتين ، وعدم دوامه في الأخرى . والأصل أن يكون اللفظ
حقيقة فيهما من غير اشتراك ولا تجوز ، والدال على القدر المشترك لا يكون
دالا على ما اختص بكل واحد من الطرفين المختلفين ،
وأيضا فإنه لو كان النهي مقتضيا للدوام ، لكان عدم الدوام في بعض صور
النهي على خلاف الدليل ، وهو ممتنع .
قلنا : النهي حيث ورد غير مراد به الدوام ، يجب أن يكون ذلك لقرينة ،
نظرا إلى ما ذكرناه من الدليل . وما قيل : إن ذلك يلزم منه الاشتراك أو التجوز .
قلنا : وإن لزم منه التجوز ، وهو على خلاف الدليل ، لافتقاره إلى القرينة الصارفة ،
غير أن جعله حقيقة في المرة الواحدة ، مما يوجب جعله مجازا في الدوام والتكرار
لاختلاف حقيقيتهما . وليس القول بجعله مجازا في التكرار وحقيقة في المرة الواحدة
أولى من العكس ، بل جعله حقيقة في التكرار أولى ، لامكان التجوز به عن البعض ،
لكونه مستلزما له . ولو جعلناه حقيقة في البعض لما أمكن التجوز به عن التكرار
لعدم استلزامه له ، وبه يندفع ما ذكروه من الوجه الثاني أيضا .
الاحكام — صفحة 194
مساهمون: الآمدي
ص١٩٤