أنه حاصل من غير واسطة ، كقولنا : القديم لا يكون محدثا ، والموجود لا يكون
معدوما ، فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس
إحداهما أن هؤلاء مع كثرتهم واختلاف أحوالهم ، لا يجمعهم على الكذب جامع .
الثانية : أنهم قد اتفقوا على الاخبار عن الواقعة ، ولكنه لا يفتقر إلى ترتيب
المقدمتين بلفظ منظوم ، ولا إلى الشعور بتوسطهما وإفضائهما إليه .
ومنهم من توقف في ذلك ، كالشريف المرتضى من الشيعة .
وإذ أتينا على تفصيل المذاهب فلا بد من ذكر حججها ، والتنبيه على ما فيها ،
ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار .
أما حجج القائلين بالضرورة ، فأولها ، وهي الأقوى ، أنه لو كان حصول العلم
بخبر التواتر بطريق الاستدلال والنظر ، لما وقع ذلك لمن ليس له أهلية النظر
والاستدلال ، كالصبيان والعوام ، وهو واقع لهم لا محالة . ولقائل أن يقول :
لا نسلم أن الصبيان والعوام الذين يحصل لهم العلم بخبر التواتر ليس لهم أهلية النظر
في مثل هذا العلم ، وإن لم يكونوا من أهل النظر فيما عداه من المسائل الغامضة ،
كحدوث العالم ووجود الصانع ونحوه . وذلك ، لان العلم النظري منقسم إلى ما
مقدماته المفضية إليه نظرية ، فيكون خفيا ، وإلى ما مقدماته المفضية إليه نظرية ، فيكون خفيا ، وإلى ما مقدماته المفضية إليه ضرورية
غير نظرية ، وعند ذلك ، فلا يمتنع أن يكون العلم بخبر التواتر من القبيل الثاني ،
دون الأول . وعلى هذا ، فلا يمتنع أن يكون العلم بأحوال المخبرين التي يتوقف
عليها العلم بمخبرهم حاصلة بالضرورة للصبيان والعوام ، ويكون العلم
بالنتيجة اللازمة عنها ضروريا . وإنما تتم الحجة المذكورة أن لو بين أن العلم
بمخبرهم من قبيل ما مقدماته نظرية لا ضرورية وذلك مما لا سبيل إلى بيانه .
الحجة الثانية أن كل عاقل يجد من نفسه العلم بوجود مكة وبغداد والبلاد النائية ،
عند خبر التواتر بها ، مع أنه لا يجد من نفسه سابقة فكر ولا نظر فيما يناسبه من العلوم
الاحكام — صفحة 19
مساهمون: الآمدي
ص١٩