المسألة الأولى
اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد للعلم بمخبره ، خلافا للسمنية والبراهمة
في قولهم : لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الاخبار وغيرها ، ودليل
ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية ، والأمم السالفة ،
والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والفضلاء المشهورين ، والوقائع
الجارية بين السلف الماضين بما يرد علينا من الاخبار حسب وجداننا كالعلم
بالمحسوسات ، عند إدراكنا لها بالحواس . ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته ،
وظهر جنونه أو مجاحدته .
فإن قيل ما ذكرتموه فرع تصور اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير على الاخبار بخبر
واحد ، وذلك غير مسلم ، مع اختلافهم في الأمزجة والآراء والاغراض وقصد الصدق
والكذب ، كما لا يتصور اتفاق أهل بلد من البلاد على حب طعام واحد معين ، وحب
الخير أو الشر . وإن سلمنا تصور اتفاق الخلق الكثير على الاخبار بشئ واحد ، إلا
أن كل واحد منهم يجوز أن يكون كاذبا في خبره بتقدير انفراده كما يجوز عليه الصدق .
فلو امتنع ذلك عليه حالة الاجتماع لانقلب الجائز ممتنعا ، وهو محال وإذا جاز
ذلك على كل واحد واحد . والجملة لا تخرج عن الآحاد ، كان خبر الجملة جائز الكذب ،
وما يجوز أن يكون كاذبا ، لا يكون العلم بما يخبر به واقعا . وإن سلمنا أنه لا يلزم أن
ما ثبت للآحاد يكون ثابتا للجملة ، غير أن القول بحصول العلم بخبر التواتر يلزم
منه أمر ممتنع فيمتنع ، وبيانه من ستة أوجه .
الأول : أنه لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم ، لجاز على مثلهم الخبر بنقيض
خبرهم ، كما لو أخبر الأولون بأن زيدا كان في وقت كذا ميتا ، ونقل الآخرون
حياته في ذلك الوقت بعينه ، فإن حصل العلم بالخبرين ، لزم اجتماع العلم الضروري
بموته وحياته فوقت واحد معين ، وهو محال ، وإن حصل العلم بأحد الخبرين دون
الآخر ، فلا أولوية مع فرض تساوي المخبرين في الكمية والكيفية .
الاحكام — صفحة 15
مساهمون: الآمدي
ص١٥