تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
وتلك الحرّيات المصطنعة التي تزعمها شعوب الحضارات الغربية الحديثة . فقد استطاعت الامّة التي حرّرها القرآن - حين دعاها في كلمةٍ واحدةٍ إلى اجتناب الخمر - أن تقول : لا ، وتمحو الخمر من قاموس حياتها بعد أن كان جزءاً من كيانها وضرورةً من ضروراتها ؛ لأنّها كانت مالكةً لإراداتها ، حرّةً في مقابل شهواتها ودوافعها الحيوانية . وبكلمةٍ مختصرة : كانت تتمتّع بحرّيةٍ حقيقيةٍ تسمح لها بالتحكّم في سلوكها . وأمّا تلك الامّة التي أنشأتها الحضارة الحديثة ومنحتها الحرّية الشخصية بطريقتها الخاصّة فهي بالرغم من هذا القناع الظاهري للحرّية لا تملك شيئاً من إرادتها ، ولا تستطيع أن تتحكّم في وجودها ؛ لانّها لم تحرِّر المحتوى الداخلي لها ، وإنّما استسلمت إلى شهواتها ولذاذاتها تحت ستارٍ من الحرّية الشخصية ؛ حتّى فقدت حرّيتها إزاء تلك الشهوات واللذاذات ، فلم تستطع أكبر حملةٍ للدعاية ضدّ الخمر جنّدتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أن تحرِّر الامّة الأمريكية من الخمر ؛ بالرغم من الطاقات المادية والمعنوية الهائلة التي جنّدتها السلطة الحاكمة ومختلف المؤسّسات الاجتماعية في هذا السبيل . وليس هذا الفشل المريع إلّانتيجة فقدان الإنسان الغربي للحرّية الحقيقية ، فهو لا يستطيع أن يقول : « لا » كلّما اقتنع عقلياً بذلك كالإنسان القرآني ، وإنّما يقول الكلمة حين تفرض عليه شهوته أن يقولها . ولهذا لم يستطع أن يعتق نفسه من أسر الخمر ؛ لأنّه لم يكن قد ظفر في ظلّ الحضارة الغربية بتحريرٍ حقيقيٍّ في محتواه الروحي والفكري « 1 » . وهذا التحرير الداخلي أو البناء الداخلي لكيان الإنسان هو في رأي
هامش
( 1 ) لاحظ مقالنا « الحرّية في القرآن » ، الأضواء : العدد الأوّل : 2 . ( المؤلف قدس سره )
المدرسة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 5 ق 2 ) — صفحة 98 | السيد محمد باقر الصدر